الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤١٩ - المتن
جمع منهم من المقربين و الكاملين في العبودية و الخشوع و الخضوع للّه رب العزة لا يعدون اللذات المتعارفة من الأكل و الشرب و معانقة الحور و الاتّكاء على الطنافس و الزرابي في القصور من جنس اللذات و التلذّذات و التنعمات، بل المتلذّذات عندهم منحصرة في المتلذّذات الروحانية و التقربات الإلهية و الدخول تحت راية المعاشر الملكوتية. فهذا المقام في الحقيقة طلب رضى اللّه تعالى و التقرب إليه تعالى، فهذا أعظم التبجيلات و التنعّمات و التعظيمات و الالتذاذات و النعم و الآلاء لأهل الجنان، و لهذا قال اللّه تعالى: «رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» [١] بعد ذكر سائر النعم و الآلاء لأهل الجنان.
فإذا عرفت هذه المقدمة، فاعلم إن ما ذكر من كثرة بكاء الصديقة المعصومة المظلومة (عليها السلام) و كثرة بكاء المقرّبين من الأنبياء و الملائكة يكشف عن سرّ عظيم من أسرار الشهادة، و هو إن مقام البكاء على سيد الشهداء (عليه السلام) مقام جزاء المقربين من الأنبياء و المرسلين و الملائكة و الصديقين و هو مقام رضوان اللّه تعالى، و قد عرفت إنه أكبر المقامات و أعظم الدرجات و أشرف المثوبات و النعم و الآلاء الظاهرية و الباطنية.
و بعبارة أخرى، إن الباكين و الباكيات على سيد الشهداء (عليه السلام) مستغرقون و مستغرقات حين البكاء في بحر الكافور من رضاء اللّه تعالى و ينبوع رحمته و محبته في أيّ نشأة و دار كان ذلك البكاء، و لا تتوهّم من هذه العبارة إنا نقول إن بكاء نشأة الآخرة يكون خاليا عن الحزن و الألم و الكابة و اللوعة و احتراق القلب، لأن هذا ممّا يردّه الأخبار الواردة في بكاء فاطمة الزهراء (عليها السلام) ممتلأة بالأشجان و الأحزان و حرقة القلب و مساعدة المقرّبين من الأنبياء و الأوصياء و الملائكة لها بالبكاء، مثل بكائها في الانبعاث عن الأحزان و الأشجان و احتراق القلوب و لو لوعتها، على أن البكاء الخالي عن الحزن و احتراق القلب ليس حقيقة من البكاء. بل نقول إن هذه الأمور- أي الحزن و احتراق القلب و البكاء- إذا كانت بابا إلى رضوان اللّه تعالى و مفتاحا له، تكون حسنة بالذات و بالصفات في كل نشأة من النشات. غاية ما في الباب إن نشأة الآخرة ليس فيها تكليف إلزامي.
[١]. سورة التوبة: الآية ٧٢.