الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤١٨ - المتن
في النشأة البرزخيّة و في دار الآخرة نسبته أقلّ قليل إلى أكثر كثير، مع أنها (عليها السلام) صبّت عليها في دار الدنيا مصائب لو أنها صبّت على الأيام صرن لياليا.
و لم يبك في الدنيا أحد بمقدار بكائها بعد وفاة أبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فحينئذ هاهنا سؤالا و هو إن اللّه تعالى كيف يرضى بأن تكون حبيبته و أفضل خلقه بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) في دوام من الحزن و الكابة و العويل و الجزع و البكاء في دار الدنيا و العقبى، مع أنهما قد خلقتا لأجلها على أن دار العقبى و نشأة الآخرة دار النعمة و الراحة و السرور لأولياء اللّه و حججه و من تبعوهم من المؤمنين. فلا بدّ من أن لا يكون لحججه تعالى شائبة و ذرّة مما في الدنيا من الحزن و الغمّ و النحيب و البكاء.
و قد يستتبع من هذا السؤال سؤال آخر، و بيانه إن أهل جنة الآخرة من الحور و الغلمان كنفس الجنان و ما فيها، قد بكوا في شهادة سيد الشهداء (عليه السلام) أكثر من بكاء أهل الدنيا، حتى إن الحور لطمت الخدود و الصدور و هكذا أهل الجنان البرزخيّة، كما دلّت على كل ذلك الأخبار المتضافرة المتكاثرة، بل إن ذلك قد صار من ضروريات مذهب طائفة الإمامية.
فيرد السؤال و هو إن أهل الجنان لا بد من أن يكونوا مستغرقين في الآلاء و النعم و الابتهاج و الفرح و السرور، و البكاء و الحزن و الكابة و الألم و لطم الخدود و الصدور من الأمور المنافية لاستغراقهم في الآلاء و النعم، على أن المستفاد من الأخبار الواردة في بكاء الصديقة المعصومة المظلومة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنه يبكي في كل وقت بكائها من يسمع بكاؤها و عويلها. فيلزم أن يكون أهل الجنان بأسرهم و أجمعهم أو أكثرهم مستغرقين في بحار الأحزان و الأشجان و البكاء و الآلاء. فهذا تمام السؤال و غابة الإشكال في هذا المقال.
أقول: إن الجواب عن هذين السؤالين يتوقّف على تمهيد و مقدمه مختصرة و هي:
إن الالتذاذات و التنعّمات لأهل الجنان- سواء كانوا في النشأة البرزخيّة أو في دار الآخرة- ليست على نهج واحد، بل هي على أنحاء و أنواع متفاضلة متفاوتة؛ فكم من