التشريف بالمنن في التعريف بالفتن - السيد بن طاووس - الصفحة ١٦ - ولادته و نشأته الفكرية
و هاجر السيد ابن طاوس (رضوان اللّه تعالى عليه) من الحلّة إلى بغداد، و تزوّج فيها بنت الوزير ناصر بن مهدي زهراء خاتون، و استوجب هذا الزواج أن يبقى في بغداد مدّة طويلة، كما ذكره في كشف المحجة [١].
و في خلال تلك الفترة التي قضاها السيد في بغداد كان يتمتّع بجاه كبير و علوّ شأن عند المسئولين آنذاك، حيث إنّهم كثيرا ما عرضوا عليه أن يتولّى المناصب الحكومية أو يكون رسولا من قبل الخليفة المستنصر إلى بعض الملوك و الرؤساء، إلّا أنّه كان يرفض ذلك؛ لكي يتفرّغ لعبادة اللّه تعالى و يبتعد عن الدنيا و زخرفها.
و حينما طلب منه الخليفة المستنصر أن يقبل الوزارة فإنّه رفضها معلّلا رفضه بجواب المستنصر قائلا:
إذا كان المراد بوزارتي على عادة الوزراء يمشّون امورهم بكلّ مذهب و كلّ سبب، سواء كان ذلك موافقا لرضى اللّه جلّ جلاله و رضى سيد الأنبياء و المرسلين أو مخالفا لهما في الآراء، فإنّك من أدخلته الوزارة بهذه القاعدة قام بما جرت عليه العوائد الفاسدة.
و إن أردت العمل في ذلك بكتاب اللّه جلّ جلاله و سنّة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، فهذا أمر لا يحتمله من في دارك و لا مماليكك و لا خدمك و لا حشمك و لا ملوك الأطراف و يقال لك إذا سلكت سبيل العدل و الانصاف و الزهد: إنّ هذا علي ابن طاوس علوي حسني ما أراد بهذه الامور إلّا أن يعرّف أهل الدهور أنّ الخلافة لو كانت إليهم كانوا على هذه القاعدة من السيرة، و أنّ في ذلك ردّا على الخلفاء من سلفك و طعنا عليهم، فيكون مراد همتك أن تقتلني في الحال ببعض أساب الأعذار و الأحوال، فإذا كان الأمر يفضي إلى هلاكي بذنب في الظاهر، فها أنا ذا بين يديك اصنع بي ما شئت
[١] كشف المحجة: ١٦٦.