كتاب السياسة - ابن سينا - الصفحة ١٤ - ٤ في سياسة الرجل ولده

منه سببا لحفظه و داعيا الى التحدّث به. ثم انهم يترافقون و يتعارضون الزيارة و يتكارمون و يتعاوضون الحقوق و كل ذلك من أسباب المباراة و المباهاة و المساجلة [١] و المحاكاة و في ذلك تهذيب لأخلاقهم و تحريك لهممهم و تمرين لعادتهم و اذا فرغ الصبي من تعلّم القرآن و حفظ اصول اللغة نظر عند ذلك الى ما يراد ان تكون صناعته فوجّه لطريقه. فان أراد [٢] به الكتابة اضاف الى دراسة اللغة دراسة الرسائل و الخطب و مناقلات الناس و محاوراتهم و ما اشبه ذلك و طورح الحساب و دخل به الديوان و عني بخطه. و ان أريد أخرى أخذ به فيها بعد ان يعلم مدبّر الصبي ان ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مؤاتية لكن ما شاكل طبعه و ناسبه و انه لو كانت الآداب و الصناعات تجيب و تنقاد بالطلب و المرام دون المشاكلة و الملاءمة اذن ما كان أحد غفلا من الأدب و عاريا من صناعة و اذن لأجمع الناس كلهم على اختيار أشرف الآداب و أرفع الصناعات. و من الدليل على ما قلنا سهولة بعض الادب على قوم و صعوبته على آخرين و لذلك نرى واحدا من الناس تؤاتيه البلاغة و آخر يؤاتيه النحو و آخر يؤاتيه الشعر و اخر يؤاتيه الخطب و آخر يؤاتيه النسب. و لهذا يقال بلاغة القلم و بلاغة الشعر. فاذا خرجت عن هذه الطبقة الى طبقة أخرى وجدت واحدا يختار علم الحساب و آخر يختار علم الهندسة و آخر يختار علم الطب و هكذا تجد سائر الطبقات اذا افتليتها طبقة طبقة حتى تدور عليها جميعها. و لهذه الاختيارات و هذه المناسبات و المشاكلات أسباب غامضة و علل خفيّة تدقّ عن افهام البشر و تلطف عن القياس و النظر لا يعلمها الّا اللّه جلّ ذكره و ربّما نافر طباع انسان جميع الآداب و الصنائع فلم يعلق منها بشي‌ء. و من الدليل على ذلك أن اناسا من اهل العقل راموا تأديب اولادهم و اجتهدوا في ذلك و انفقوا فيه الاموال فلم يدركوا من ذلك ما حاولوا. فلذلك ينبغي لمدبّر الصبي اذا رام اختيار الصناعة ان يزن اوّلا طبع الصبي و يسبر قريحته و يختبر ذكاءه فيختار له الصناعات بحسب ذلك فاذا اختار له احدى الصناعات تعرّف قدر ميله اليها و رغبته فيها و نظر هل جرت منه على عرفان ام لا و هل ادواته و آلاته مساعدة له عليها ام‌


[١] المفاخرة و المباراة

[٢] اي استاذه و مدبّره او ابوه‌