كتاب السياسة - ابن سينا - الصفحة ١٠ - ٢ في سياسة الرجل دخله و خرجه
بالتجارات و الصناعات و كانت الصناعات أوثق و أبقى من التجارات لان التجارة تكون بالمال و المال و شيك الفناء عتيد الآفات كثير الجوائح. و صناعات ذوي المروءة ثلاثة انواع: نوع من حيز العقل و هو صحّة الرأي و صواب المشورة و حسن التدبير و هو صناعة الوزراء و المدبرين و ارباب السياسة و الملوك. و نوع من حيز الادب و هو الكتابة و البلاغة و علم النجوم و علم الطب و هو صناعة الادباء و نوع من حيّز الأيد و الشجاعة و هو صناعة الفرسان و الأساورة. فمن رام احدى هذه الصناعات فليفز بإحكامها و التقدم فيها حتى يكون من اصحابها موصوفا بالفصاحة غير مرذول و لا مؤخّر و ليعلم انه ليس شيء ازين بالرجل من رزق واسع وافق منه استحقاقا. ثم ليطلب معيشته بصناعة على أعف الوجوه و أرفقها و أعفاها و ابعدها من الشره و الحرص و أنآها من الطمع الفاحش و المأكل الخبيث. و ليعلم ان كل فضل نيل بالمغالبة و المكابرة و بالاستكراه و المجاهدة و كل ربح حيز بالاثم و العار و مع سوء القالة و قبح الاحدوثة او ببذل الوجه و نزف الحياء او بثلم المروءة و تدنيس العرض زهيد و ان عظم قدره نزر و ان غزرت مادّته و بيل و ان ظهرت هناءته و خيم و ان كان في مرآة العين مريّا. و ان الصفو الذي لا كدر فيه و العفو الذي لا كدح معه و ان قلّ مقداره و خفّ وزنه أطيب مذاقا و اسلس مساغا و أنمى بركة و ازكى ريعا فاذا حاز الانسان ما اكتسبه فان من السيرة العادلة في ذلك ان يكون بعضه مصروفا في الصدقات و الزكوات و أرباب المعروف و بعضه مستبقى مدّخرا لنوائب الدهر و احداث الزمان. فأما الزكوات و الصدقات فينبغي ان يكون إخراجها بطيب النفس و حسن النيّة و انشراح الصدر و الثقة بانها العدّة ليوم الفاقة و ان يوضع معظمها في اهل الخلّة [١] ممّن يساتر الناس بفقره و لا يهتك ستر اللّه تعالى عن حاله و يتوخّى بباقيها (v ٦٦( من تلحقه الرقّة [٢] ممن ظهرت عيلته و بدت مسكنته و ان يجعل ذلك خالصا لوجه اللّه ذي الجلال و الاكرام فلا يستثمر له شكرا و لا يترصّد له جزاء و للمعروف شرائط احداها تعجيله فان تعجيله أهنأ له. و الثانية كتمانه فان كتمانه أظهر له. و الثالثة تصغيره فان تصغيره اكبر له. و الرابعة ربّه [٣] و مواصلته
[١] الحاجة و الفقر
[٢] الرحمة
[٣] زيادته