دروس في البلاغة - الشيخ محمدي البامياني - الصفحة ٢٠٢ - تعريف الجنس
فإنّه يعرف بحسب الذّوق السّليم والطّبع المستقيم والتّدرّب (١) في معرفة معاني كلام العرب أن (٢) ليس المعنى ههنا على القصر وإن أمكن ذلك (٣) بحسب النّظر الظّاهر والتّأمّل القاصر.
______________________________________________________
مفعول ثان ل «رأيت» ، والجملة جواب شرط ل «إذا».
ومحلّ الشّاهد : قولها «الحسن» حيث عرّف بلام الجنس ، لإفادة أنّ اتّصاف المبتدأ به أمر واضح معروف ، لا لإفادة القصر فانتظر.
(١) التّدرّب من الدّربة ، بمعنى التّجربة.
(٢) قوله : «أنّ ليس ...» نائب فاعل «يعرف» أي يعرف أنّه لا معنى في قول الخنساء «رأيت بكاءك الحسن الجميلا» على القصر مطلقا ، لأنّ المعنى على اعتبار القصر الإضافيّ رأيت بكاءك الحسن لا بكاء غيرك ، أي الحسن مقصور على بكائك ، لا يتجاوز إلى بكاء غيرك أصلا ، وعلى اعتبار القصر الحقيقيّ بكاءك حسن لا شيء آخر ، أي الحسن مقصور على «بكاءك» لا يتجاوز إلى شيء آخر أصلا ، وكلّ واحد من هذين المعنيين خارج من مقتضى أسلوب قولها : «إذا قبح البكاء على قتيل رأيت بكائك الحسن الجميلا «لأنّ مقتضى ترتّب الجزاء على الشّرط ههنا هو إخراج بكائه من جنس بكاء القتلى بإثبات الحسن له لا قصره عليه ، فإنّه كما عرفت يقتضي نفيه عن غيره إضافة أو حقيقة ، فلا وجه للحمل عليه.
وبعبارة أخرى إنّ هذا الكلام إنّما هو للرّدّ على من يتوهّم أنّ البكاء على هذا المرثيّ قبيح كغيره ، فالرّدّ يحصل بمجرّد إخراج بكائه من القبح إلى كونه حسنا ، وليس هذا الكلام واردا في مقام من يسلم حسن البكاء ، إلّا أنّه يدّعى أنّ بكاء غيره حسن أيضا ، حتّى يكون معناه أنّ بكاءك هو الحسن الجميلا فقطّ فيفيد القصر الإفراد ، والحاصل إنّ الخنساء لم ترد أنّ ماعدا البكاء على صخر ليس بجميل ، ولا حسن حتّى يفيد كلامها قصرا حقيقيّا أو إضافيا ، بل أرادت أن تخرج بكاءه من جنس بكاء غيره بأن تثبت له الحسن والجمال.
(٣) أي القصر بحسب ظاهر التّعريف بأن يقال : إنّ التّعريف في قولها : «الحسن جالجميلا» لا يؤتى به بدلا من التّنكير إلّا لفائدة ، وهي القصر بأن يجعل القصر مبالغة ، أو إضافيّا بالنّسبة إلى بكاء غيره من القتلى ، إلّا أنّ هذا لا يخلو عن تكلّف ، لأنّ التّعريف ليس للقصر ، بل الغرض من التّعريف هو كون اتّصاف المبتدأ ، أي البكاء على صخر بالخبر ، أي بالحسن والجميل أمرا ظاهرا بحيث لا ينكر ، ولا يشكّ في ذلك هذا هو فائدة التّعريف لا إفادة الحصر.