الامام العسكري عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٤ - الفصل الثَّالث شَهَادَتُهُ الأَلِيْمَةُ
أمره، وفي سبيل الله ينبعث إلى القتال ضد أعدائه، وابتغاءً لمرضاة الله ينضوي تحت راية الحركة الدينية وتنفيذ أوامرها، واتباعاً لأمر الله تراه يخالف الطاغوت، ويتمرد ضد سلطة ظالمة، ويبني كياناً سياسيًّا بديلًا.
ومن هنا فإن كلمة التقوى وليست حمية الجاهلية وعصبيتها الضيقة، تضحى محور المجتمع الإسلامي، وقاعدة انطلاقه، وآصرة الشد بين أركانه .. هكذا نقرأ في كتاب ربنا سبحانه: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) [١].
وفرق كبير بين حمية الجاهلية وكلمة التقوى؛ إذ الحمية- التي يسميها ابن خلدون العصبية ويجعلها سبباً للملك ومحوراً للمدينة- تنبعث من قيم مادية، وتبعث إلى الصراع والتناحر، ولا تتناسب والأحكام الإلهية ذات القيم الإنسانية النقية عن شوائب الشرك والحقد والتحزب.
من هنا قال ربنا سبحانه: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) [٢].
وهكذا تصبح طاعة أولي الأمر، امتداداً لطاعة الله والرسول، بل تصبح تجسداً لهما، ووسيلة إليهما. فأنَّى يمكن طاعة الله ورسوله من دون طاعة تلك القيادة التي أمر الله بها؟!
ثانياً: لأن أساس بناء المرجعية، التقوى، لا الحمية، فإنَّ هذا الكيان يتجاوز الأرض والدم واللغة، وسائر الفوارق المادية التي تفصل بين
[١] سورة الفتح، الآية: ٢٦.
[٢] سورة النساء، الآية: ٥٩.