الامام العسكري عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨ - الفصل الثَّاني الإِمَامُشَاهِدُ صْرِهِ
الكبرى، وكانت من سمات عصر الغيبة، التقية؛ فإن حياته اتَّسمت- وربما أكثر من غيره من الأئمة الهداة- بأقسى حالات التكتم. والقصص التالية تعكس جانباً من حالات التقية:
ألف: يقول دَاوُدَ بْنِ الْأَسْوَدِ:
«دَعَانِي سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ عليه السلام فَدَفَعَ إِلَيَّ خَشَبَةً كَأَنَّهَا رِجْلُ بَابٍ مُدَوَّرَةٍ طَوِيلَةٍ مِلْءَ الْكَفِّ، فَقَالَ: صِرْ بِهَذِهِ الْخَشَبَةِ إِلَى الْعَمْرِيِّ (أحد وكلائه المقربين)، فَمَضَيْتُ، فَلَمَّا صِرْتُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ عَرَضَ لِي سَقَّاءٌ مَعَهُ بَغْلٌ فَزَاحَمَنِي الْبَغْلُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَنَادَانِي السَّقَّاءُ: ضَحِّ عَلَى الْبَغْلِ (أي وسع الطريق) فَرَفَعْتُ الْخَشَبَةَ الَّتِي كَانَتْ مَعِي فَضَرَبْتُ بِهَا الْبَغْلَ فَانْشَقَّتْ (الخشبة)، فَنَظَرْتُ إِلَى كَسْرِهَا فَإِذَا فِيهَا كُتُب (رسائل) فَبَادَرْتُ سَرِيعاً فَرَدَدْتُ الْخَشَبَةَ إِلَى كُمِّي فَجَعَلَ السَّقَّاءُ يُنَادِينِي وَيَشْتِمُنِي وَيَشْتِمُ صَاحِبِي» [١].
هكذا كان الإمام يستخدم أسلوب الكتمان، وبهذا المستوى الرفيع، حتى في نقل الرسائل من دار لدار أو بلد قريب إلى بلد قريب آخر.
وفي نهاية القصة نجد عتاباً شديداً تعرض له حامل الرسالة على تصرفه البعيد عن روح العمل السري، فقال خادم الإمام حكاية عن الإمام قال:
«وَإِذَا سَمِعْتَ لَنَا شَاتِماً فَامْضِ لِسَبِيلِكَ الَّتِي أُمِرْتَ بِهَا وَإِيَّاكَ أَنْ تُجَاوِبَ مَنْ يَشْتِمُنَا أَوْ تُعَرِّفَهُ مَنْ أَنْتَ، فَإِنَّا بِبَلَدِ سَوْءٍ وَمِصْرِ سَوْءٍ، وَامْضِ فِي طَرِيقِكَ فَإِنَّ أَخْبَارَكَ وَأَحْوَالَكَ تُرَدُّ إِلَيْنَا، فَاعْلَمْ ذَلِكَ» [٢].
باء: وكان أسلوب التحدث بالإشارة شائعاً في أوساط الشيعة
[١] بحار الأنوار، ج ٥٠، ص ٢٨٣.
[٢] بحار الأنوار، ج ٥٠، ص ٢٨٣.