الامام العسكري عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥ - الفصل الأول الميلادُ الكَرِيمُ

ووصفه الشاكري الذي لازم خدمته فقال:

«كَانَ أُسْتَاذِي صَالِحاً مِنْ بَيْنِ الْعَلَوِيِّينَ لَمْ أَرَ قَطُّ مِثْلَهُ، قال: وَكَانَ يَرْكَبُ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى فِي كُلِّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، قَالَ: وَكَانَ يَوْمَ النُّوبَةِ يَحْضُرُ مِنَ النَّاسِ شَيْءٌ عَظِيمٌ وَيَغَصُّ الشَّارِعُ بِالدَّوَابِّ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالضَّجَّةِ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مَوْضِعٌ يَمْشِي وَلَا يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ أُسْتَاذِي سَكَنَتِ الضَّجَّةُ وَهَدَأَ صَهِيلُ الْخَيْلِ وَنِهَاقُ الْحَمِيرِ

، قَالَ:

وَتَفَرَّقَتِ الْبَهَائِمُ حَتَّى يَصِيرَ الطَّرِيقُ وَاسِعاً لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُتَوَقَّى مِنَ الدَّوَابِّ نَحُفَّهُ لِيَزْحَمَهَا، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَجْلِسُ فِي مَرْتَبَتِهِ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ، فَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ وَصَاحَ الْبَوَّابُونَ: هَاتُوا دَابَّةَ أَبِي مُحَمَّدٍ؛ سَكَنَ صِيَاحُ النَّاسِ وَصَهِيلُ الْخَيْلِ وَتَفَرَّقَتِ الدَّوَابُّ حَتَّى يَرْكَبَ وَيَمْضِيَ.

وأضاف في صفة الإمام:

«كَانَ يَجْلِسُ فِي الْمِحْرَابِ وَيَسْجُدُ فَأَنَامُ وَأَنْتَبِهُ وَأَنَامُ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَكَانَ قَلِيلَ الْأَكْلِ، كَانَ يَحْضُرُهُ التِّينُ وَالْعِنَبُ وَالْخَوْخُ وَمَا شَاكَلَهُ فَيَأْكُلُ مِنْهُ الْوَاحِدَةَ وَالثِّنْتَيْنِ وَيَقُولُ: شُلْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ إِلَى صِبْيَانِكَ، فَأَقُولُ: هَذَا كُلُّهُ؟ فَيَقُولُ: خُذْهُ مَا رَأَيْتُ قَطُّ أَسْدَى مِنْهُ» [١].

وعندما سجنه طاغية بني العباسي، وقال بعض العباسيين للذي وُكِّلَ بسجنه (صالح بن وصيف):

«ضَيِّقْ عَلَيْهِ وَلَا تُوَسِّعْ، فَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: مَا أَصْنَعُ بِهِ، وَقَدْ وَكَّلْتُ بِهِ رَجُلَيْنِ شَرَّ مَنْ قَدَرْتُ عَلَيْهِ فَقَدْ صَارَا مِنَ الْعِبَادَةِ وَالصَّلَاةِ إِلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ؟!، ثُمَّ أَمَرَ بِإِحْضَارِ المُوَكَّلَيْنِ فَقَالَ لَهُمَا: وَيْحَكُمَا! مَا شَأْنُكُمَا فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَا لَهُ: مَا نَقُولُ فِي رَجُلٍ يَصُومُ نَهَارَهُ وَيَقُومُ لَيْلَهُ كُلَّهُ، لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَتَشَاغَلُ بِغَيْرِ الْعِبَادَةِ


[١] بحار الأنوار، ج ٥٠، ص ٢٥٣.