الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٣٢٤
باعتبار واحد/، فيؤدّي إلى أن لا يكون الاستثناء في كلام إلّا و هو كذب من أحد الطرفين، و هو باطل، فإنّ القرآن مشتمل عليه، قال اللّه تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً [١] فلو عل الألف بكمالها و قد نسب اللّبث إليها لوجب أن يكون اللّبث في جميعها و لم يصحّ بعد هذه النسبة إخراج شيء منها، و لهذه الشّبهة فرّ القاضي إلى مذهبه المذكور.
و الصّواب الذي يجمع بين رفع [٢] الإشكالين أن تقول: لا يحكم بالنسبة إلّا بعد كمال ذكر المفردات في كلام المتكلّم، فإذا قال المتكلّم: «قال القوم إلّا زيدا» فهم القيام أوّلا بمفرده، و فهم القوم بمفرده و أنّ فيهم زيدا، و فهم إخراج زيد منهم بقوله: «إلّا زيدا»، ثمّ حكم [٣] بنسبة القيام إلى هذا المفرد الذي أخرج منه زيد، فحصل الجمع بين المسالك المقطوع بها على وجه مستقيم، و هو أنّ الإخراج حاصل بالنسبة إلى المفردات، و فيه توفية بإجماع النحويّين، و توفية بأنّك [٤] ما نسبت إلّا بعد أن أخرجت زيدا، فلا يؤدّي إلى المناقضة المذكورة، فاستقام الأمر في الوجهين جميعا.
و أمّا حدّه، فمشكل لأنّ الاستثناء يجمع المتّصل و المنقطع، و لا يتميّز المتّصل إلّا بالإخراج، و لا إخراج في المنقطع، و كلّ أمرين فصل أحدهما مفقود في [٥] الآخر يستحيل جمعهما في حدّ واحد، فالأولى أن يحدّ المتّصل على حدته و المنقطع على حدته، فنقول في حدّ المتّصل: هو كلّ لفظ أخرج به شيء من شيء بإلّا و أخواتها [٦]، فإذا ورد قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [٧]، ثمّ قال: «لا تقتلوا أهل الذّمّة» [٨] قلنا: هذا ليس بإخراج، و إنّما هو تبيين مراد المتكلّم باللّفظ الأوّل، و كذلك لو قيل:
[١] العنكبوت: ٢٩/ ١٤.
[٢] في د: «يرفع» مكان «يجمع بين».
[٣] في د: «يحكم».
[٤] في ط: «أنك».
[٥] في د: «مقصود من»، تحريف.
[٦] حدّ ابن الحاجب المستثنى بقوله: «المستثنى متصل و منقطع، فالمتصل هو المخرج من متعدّد لفظا أو تقديرا بإلا و أخواتها، و المنقطع هو المذكور بعدها غير مخرج» الكافية: ١٠٩. و خالف الرضي ابن الحاجب و ذهب إلى أنه يمكن جمع المتصل و المنقطع في حد واحد، انظر شرح الكافية له: ١/ ٢٢٤، وحدهما ابن مالك و أبو حيان بحدّ واحد، انظر شرح التسهيل لابن مالك: ٢/ ٢٦٤ و ارتشاف الضرب: ٢/ ٢٩٤.
[٧] التوبة: ٩/ ٥. و الآية: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.
[٨] ليس هذا قرآنا.