الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٢٧١
عن «أن» و لا عن غيرها، و قد جاء في الشعر شاذّا [١]:
فإيّاك إيّاك المراء فإنّه
إلى الشّرّ دعّاء و للشّرّ جالب
و حمله الخليل على أنّه منصوب بفعل مقدّر، كأنّه قال بعد تمام الكلام [٢]: احذر المراء، و حمله ابن أبي إسحاق على أنّ أصله «إيّاك من المراء» فحذف حرف الجرّ لمّا كان المراء بمعنى «أن تماري» [٣]، فحمله عليه [٤] من حيث المعنى على شذوذه [٥].
و قدّر سيبويه «إيّاى [٦] و الشّرّ» منصوبا بفعل للمتكلّم، كأنّه أمر لنفسه، يعني: لأباعد [٧] نفسي عن الشّرّ و لأباعد الشّرّ عنّي، و أنكره غيره و قال: المعنى على أنه يخاطب غيره على معنى «باعدني»، و إليه ذهب الزمخشري [٨]، و كلا التقديرين مستقيم، و قول عمر/: «إيّاي و أن يحذف أحدكم الأرنب» مثله، و قدّره الزّجّاج بإيّاي و إيّاكم [٩]، و أراد عمر النّهي عن حذف الأرنب بالعصا لأنّ ذلك يقتلها فلا تحلّ، فقال: «ليذكّ لكم الأسل و الرّماح و السّهام و إيّاي و أن يحذف أحدكم الأرنب» [١٠]، فبالغ في نهيهم بأن قال: باعدوني عن حذفه، فجعله من الأمر الذي يطلب منهم
[١] البيت للفضل بن عبد الرحمن القرشي، و هو في طبقات النحويين و اللغويين: ٥٣، و الخزانة: ١/ ٤٦٥، و ورد بلا نسبة في الكتاب: ١/ ٢٧٩، و المقتضب: ٣/ ٢١٣، و شرح المفصل لابن يعيش: ٢/ ٢٥، و أمالي ابن الحاجب: ٦٨٦، و المقاصد للعيني: ٤/ ١١٣، ٤/ ٣٠٨، و المراء: المماراة و الجدل و رواية البيت في الكتاب و المقتضب: «إياك إياك» و بذا يكون قد دخله الخرم.
[٢] سقط من د: «بعد تمام الكلام».
[٣] انظر الكتاب: ١/ ٢٧٩، و قال البغدادي: «و ابن أبي إسحاق ينصبه يجعله كأن و الفعل و ينصبه بالفعل الذي نصب إياك». الخزانة: ١/ ٤٦٥.
[٤] سقط من د: «عليه»، خطأ.
[٥] جاء بعد هذه الكلمة في ط من قوله: «ماز رأسك و السيف» إلى «لجريه مجرى المثل» ثم استؤنف الكلام ب «ثم قدّر سيبويه». و هو اضطراب في العبارة.
[٦] في د: «إياك»، تحريف. و انظر الكتاب: ١/ ٢٧٣- ٢٧٤ و شرح الكافية للرضي: ١/ ١٨١.
[٧] في د: «يعني بمعنى لأباعد».
[٨] انظر المفصل: ٤٩، و ارتشاف الضرب: ٢/ ٢٨١.
[٩] انظر شرح المفصل لابن يعيش: ٢/ ٢٦، و ارتشاف الضرب: ٢/ ٢٨١.
[١٠] روى عبد الرزاق بن همّام الصنعاني قول عمر كمايلي: «يا أيها الناس هاجروا و لا تهجّروا و لا يحذفن أحدكم الأرنب بعصاه أو بحجر ثم يأكلها، و ليذك لكم الأسل و الرماح و النبل». المصنف: ٤/ ٤٧٧- ٤٧٨، و روى البيهقي قول عمر فقال: «هاجروا و لا تهجّروا و اتقوا الأرنب أن يحذفها أحدكم بالعصا، و لكن ليذك لكم الأسل و الرماح و النبل». السنن الكبرى: ٩/ ٢٤٨، و انظر الكتاب: ١/ ٢٧٤ و شرح الكافية للرضي: ١/ ١٨١.