الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ١٩٧
ثمّ قال: «و منه» مشيرا إلى النوع الأصليّ، و فصله من نوعه لأنّه يعرف بضابط يجري عليه ما لا يسمع من مفرداته، و هو قوله: «ما أنت إلّا سيرا سيرا» [١]، و استغنى بالتمثيل، و أتى فيه بما يوهم أنّه من الضابط، و ليس بمشترط، و هو تكرار «سيرا سيرا»، فإنّه قد يسبق إلى الذّهن أنّ التكرار قام مقام ذكر الفعل، كما هو ثابت باتّفاق في مثل: «زيد سيرا سيرا» [٢]، و قولك: «الطريق الطريق»، و قد نقل الثقات أنّ العرب تقول: «ما أنت إلّا سيرا» [٣]، من غير تكرار، كما تقوله مكرّرا في أنّهم لا يظهرون الفعل أبدا.
فإن قلت: يندفع هذا الوهم بقوله [٤]: «ما أنت إلا سير البريد» و ليس فيه تكرار.
قلت: قد يتوهّم المتوهّم أنّه يشترط إمّا التكرار و إمّا الإضافة، لأنّه لفظ زائد فيه [٥]، فكأنّه [٦] قام مقام المحذوف، و الضّابط لهذا القسم أن يتقدّم نفي، أو ما هو في معنى النّفي [٧] داخل على اسم و بعده إثبات لا يصحّ أن يكون ما بعد الإثبات خبرا عن الأوّل، فعند ذلك إذا نصبته [٨] على المصدر وجب الحذف، و لو فقد شرط ممّا ذكرناه لم يلزم هذا الحكم، فلو لم يوجد النّفي فقلت: أنت سيرا [٩]، أو «أنت سير البريد» لم يجب حذف الفعل، بل تقول: «أنت تسير سيرا» باتّفاق [١٠]، و لو لم يكن بعده اسم لم يكن منصوبا بفعل مضمر أصلا، كقولك: «ما تسير إلّا سيرا»، و لو لم يكن ممّا لا يصحّ أن يكون خبرا عن الأوّل لم يصحّ نصبه باتّفاق، كقولك: «ما سيرك إلّا سير»،
[١] عبارة الزمخشري: «و منه إنما أنت سيرا سيرا ..» المفصل: ٣٢.
[٢] حذف الفعل في مثل هذا واجب، انظر شرح المفصل لابن يعيش: ١/ ١١٥، و شرح الكافية للرضي:
١/ ١٢٠، و الأشموني: ٢/ ١١٨، و شرح التصريح على التوضيح: ١/ ٣٢٩، ٣٣٢.
[٣] انظر الكتاب: ١/ ٣٣٥، و المقتضب: ٣/ ٢٢٩- ٢٣٠.
[٤] أي: الزمخشري، انظر المفصل: ٣٢.
[٥] سقط من د: «فيه».
[٦] في د: «كأنه».
[٧] في د: «نفي».
[٨] في د: «نصبه».
[٩] في د: «أنت سيرا سيرا»، خطأ. انظر الأشموني: ٢/ ١١٨ و شرح التصريح: ١/ ٣٣٢.
[١٠] في د: «بالاتفاق». انظر شرح التسهيل لابن مالك: ٢/ ١٨٩، و الأشموني: ٢/ ١١٨، و شرح التصريح على التوضيح: ١/ ٣٣٢.