الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ١٣٦
يكون الطّلب مثبتا، بل يجب أن يكون منفيّا على ظاهره، فكأنّه قال: لو كنت ساعيا لمعيشة دنيّة [١] لكفاني القليل غير طالب [له] [٢]، فيكون الفعلان موجّهين إلى قليل بهذا الاعتبار، و بهذا التقدير يصحّ [٣] أن يكون من هذا الباب، و يكون قد أعمل الأوّل.
و الظّاهر مع سيبويه إذ استعمال واو العطف أكثر، و أيضا فإنّه قد فهم من سياق كلام الشاعر أنّه لم يقصد إلّا إلى نفي طلب الملك في سياق «لو» لقوله: «و لكنّما أسعى لمجد مؤثّل»، فكأنّه تفسير للمفعول الذي حذفه في قوله: «و لم أطلب» [٤]، و لو كان من هذا الباب لاقتضى أن يكون إعمال الأوّل أولى لأنّ الفصيح قد عدل عن إعمال الثاني مع إمكانه إلى إعمال الأوّل على وجه يستلزم ضعفا، فلولا أنّه أولى ما اغتفر من أجله الضّعف الذي لزمه، و هو حذف الضمير من «و لم أطلب».
و إذا أضمرت في نحو «كسوت و كساني إيّاها أو كسانيها زيدا جبّة» فإن كانت الجبّة واحدة فلا إشكال، و إن كانت متعدّدة وجب أن يكون التقدير مثلها، فحذف المضاف للعلم به، لأنّ التقدير «و كساني جبّة» و الضمير لها، لما يلزم من كون الضمير نكرة، و هو بعيد، و أيضا فإنّه يؤدّي إلى أن يكون الضمير لغير من يعود عليه، و إضمار «منطلق» في قولك «ظننت و ظنّني إيّاه أو ظننته زيدا منطلقا» أشكل، لأنّ الظّاهر لغيره، و فيه ضمير غيره، و إضماره يوجب تعيينه، و الجواب أنّه لمّأ لم يكن مقصودا به الذات و أضمر مجرّدا عن الضمير صحّ جعله لغيره مضمرا.
و المتعدّي إلى ثلاثة لم يجئ في هذا الباب مسموعا، فمنعه الجرميّ، و أجازه آخرون [٥]، و قالوا في «لعلّ و عسى زيد أن يخرج» إنّه [٦] على إعمال الثاني لصحّة «لعلّ زيدا أن يخرج» [٧]،
[١] وردت العبارة في ط: «لو كنت ساعيا لأدنى معيشة».
[٢] سقط من الأصل. ط. و أثبته عن د.
[٣] في ط: «فصح».
[٤] في د: «أطلبه»، تحريف.
[٥] خص الجرمي وقوع التنازع في الأفعال المتعدية إلى مفعول واحد، و منعه في الأفعال المتعدية إلى مفعولين أو ثلاثة، و احتج بعدم سماع ذلك عن العرب، و ذهب جمهور النحويين إلى أنه سمع في الأفعال المتعدية إلى اثنين، و قيس عليها المتعدية إلى ثلاثة، انظر الكتاب: ١/ ٧٩، و شرح التسهيل لابن مالك: ٢/ ١٧٧، و شرح الكافية للرضي: ١/ ٨٢ و ارتشاف الضرب: ٣/ ٩٢، و الهمع: ٢/ ١١١.
[٦] سقط من د: «إنه».
[٧] أجاز بعضهم التنازع في لعل و عسى، انظر ارتشاف الضرب: ٣/ ٩٨، و الهمع: ٢/ ١١١.