الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ١٣٥
منه» [١]. و هذا البيت [٢] أنشده سيبويه و قال: و لو نصب فسد المعنى [٣]، و أورده صاحب «الإيضاح» مستدلا به على مذهب الكوفيين [٤]، و ما ذكره سيبويه أظهر، و بيان ذلك أنّ «لو» تدلّ على امتناع الشيء لامتناع غيره من حيث التقدير، و إذا وجب أن يكون ذلك مقدّرا وجب أن يكون غير حاصل، فيجب على هذا أنّ ما يذكر بعدها منفيّ إن كان مثبتا، و مثبت إن كان نفيا، فإذا قلت: «لو أكرمتني أكرمتك» فالإكرامان منفيّان، و إذا قلت: «لو لم تكرمني لم أكرمك» فالإكرامان حاصلان، و إذا ثبت ذلك كان قوله: «فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة» موجبا أن يكون سعيه لأدنى معيشة غير حاصل، لأنّه مثبت في سياق «لو»، فلو كان «لم أطلب» موجّها إلى «قليل» و هو داخل في سياق جواب «لو» لوجب أن يكون طالبا للقليل، فيكون قائلا [٥] في صدر البيت: إنه لا يطلب القليل و في عجزه إنّه طالب للقليل، و هو متناقض، و أيضا فإنّه قال بعده [٦]:
و لكنّما أسعى لمجد مؤثّل
و قد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
و فهم من سياق كلامه أنّه لا يطلب إلّا الملك، و لا يستقيم أن يكون «لم أطلب» موجّها إلى قليل، لأنّه يلزم أن يكون طالبا للقليل، فيكون قائلا في البيت الذي بعده: ما أطلب إلّا الملك، و في هذا البيت: إنّه يطلب القليل، و هو متناقض، و إذا ثبت أنّه ليس موجّها لقليل ثبت أنّه ليس من هذا الباب، إذ شرطه أن يكون الفعلان موجّهين إلى شيء واحد، فهذا الذي قصده سيبويه، و جرى الزمخشريّ على ما أراده سيبويه [٧].
و أمّا صاحب «الإيضاح» فالظّاهر أنّه قصد جهة أخرى، و هو أنّه لم يعطف «لم أطلب» على قوله: «كفاني» ليلزم [٨] ما تقدّم، و لكنّه جعلها واو الحال، و إذا كانت واو الحال [٩] لم يلزم أن
[١] عبارة المفصل «من قبيل ما نحن بصدده»، المفصل: ٢١.
[٢] تقدم البيت ورقة: ٣٣ أ
[٣] قال سيبويه بعد أن أنشد بيت امرئ القيس: «فإنما رفع لأنه لم يجعل القليل مطلوبا و إنما كان المطلوب عنده الملك، و جعل القليل كافيا، و لو لم يرد ذلك و نصب فسد المعنى» الكتاب: ١/ ٧٦.
[٤] انظر الإيضاح لأبي علي الفارسي: ٦٧.
[٥] سقط من ط: «قائلا» و هو خطأ.
[٦] البيت في ديوان امرئ القيس: ٣٩، و المؤثّل: المثمر الذي له أصل و هو الكثير أيضا.
[٧] انظر شرح الكافية لابن الحاجب: ٢٢.
[٨] في د: «فيلزم».
[٩] سقط من د: «الحال»، و هو خطأ.