الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٥٩
و الثّاني: أنّ التّثنية في الأسماء إلحاق الاسم الزّيادة المعلومة، ليدلّ على أنّ معه مثله من جنسه، و لا شكّ أنّ الأعلام و إن تعدّدت مدلولاتها ليست موضوعة لها وضعا واحدا حتّى تكون تثنيتها تدلّ على شيئين من جنس واحد، [بل الأوّل ليس من جنس الثاني] [١]، و لكنّ العرب لمّا وضعت الاسم المثنّى و المجموع للإيجاز و الاختصار كراهة تكرار اللّفظ الواحد مرارا متعدّدة، و رأوا أنّ العلم أحقّ بذلك لكثرته اغتفروا أمر خروجه بالوجهين المتقدّمين لمّا قصدوا فيه الاختصار المقصود في التّثنية و الجمع، ثمّ التزموا إدخال اللّام فيه تعويضا له عمّا ذهب من العلميّة من مفرديه، و هذه اللّام/ هي لام التّعريف التي للعهد، و ذلك أنّ العلم في الحقيقة موضوع لمعهود، إلّا أنّه لمّا كان موضوعا له بأصل وضعه لم يحتج إلى زيادة تجعله له، و لمّا كان نحو «رجل» و «غلام» موضوعا لواحد من أجناسه احتاج عند جعله لمعهود أن يزاد فيه ما يجعله له [٢]، و لمّا فقدت خصوصيّة الإفراد عند تثنية العلم و به [٣] كانت دلالته على ذلك المعهود أدخلوا لام العهد باعتبار مفردي العلميّة جميعا [٤]، و لم يستعملوا العلم بعد تثنيته إلّا كذلك، لئلّا يؤدّي إلى إخراجه عن وضعه من كلّ وجه، فهذا معنى مناسب يقتضي لزوم اللّام له، و عليه جاءت لغتهم، فالحكم على لغتهم باستعمال العلم مثنّى أو مجموعا نكرة حكم [٥] على لغتهم من غير ثبت، و ذلك غير جائز، نعم يجوز الإتيان به منكّرا على اللّغة الضّعيفة في الزيد و زيدكم، فإذا ثنّي زيد بعد تنكيره قيل:
زيدان، و ليس الكلام على هذه اللغة ههنا [٦].
و قوله: «إلّا نحو: أبانين» استثناء منقطع، ألا ترى أنّ «أبانين» ليس تثنية لشيئين كلّ واحد منهما أبان، كما كان قولك: الزّيدان، و إنّما هو اسم لجبلين، أحدهما أبان و الآخر متالع، وضعوا لهما جميعا أبانين، فهو اسم لفظه لفظ التثنية، وضع علما لهذين الجبلين [٧]، كما لو سمّيت رجلين بزيدان من أوّل الأمر، و لا يستقيم أن يقال: يكون تثنية على تقدير أن يكون اسم الآخر
[١] سقط من الأصل. ط. و أثبته عن د.
[٢] في د: «ما يجعل الرجل لمعهود».
[٣] أي: بالإفراد.
[٤] في الأصل. ط: «باعتبارهما جميعا»، و ما أثبت عن د. و هو أوضح.
[٥] سقط من ط: «حكم» خطأ.
[٦] انظر شرح الكافية للرضي: ٢/ ١٣٦، و الهمع: ١/ ٧٢- ٧٣.
[٧] قال ياقوت: «أبان تثنية أبان و متالع غلّب أحدهما .. و هما بنواحي البحرين» معجم البلدان (أبن).