الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٣٤٥
و هذه المسألة و نظائرها يجوز فيها أربعة أوجه: نصب الأوّل و رفع الثاني، و هو أجودها، و عكسها، و هو أردأها، و نصبهما جميعا، و رفعهما جميعا، و هما [١] متوسّطان بين الأوّل و الثاني.
و إنّما اختير نصب الأوّل و رفع الثاني لأنّا إذا نصبنا فالتقدير: إن كان عمله خيرا، و المعنى عليه، و جاز تقدير «كان» لأنّه فعل دلّ عليه سياق الكلام، فكان حذفه جائزا.
و ضعف الرفع لأنّك إذا رفعت فلا بدّ من تقدير رافع، و لا يقدّر إلّا «كان» لكون المعنى عليه، فإمّا أن تقدّرها تامّة أو ناقصة، فتقديرها تامّة ضعيف، لأنّ التامّة قليلة في الاستعمال، و ما قلّ استعماله قلّ حذفه، و ما كثر استعماله قوي حذفه، و أيضا فإنّ تقدير التامّة مخلّ بالمعنى، لأنّه يصير كأنّه أجنبيّ عن الأوّل، و المعنى على تعلّقه به، و ذلك إنّما يكون في الناقصة [٢]، و إن قدّرت التزام الناقصة وجب أن يكون الخبر مقدّرا محذوفا، ليكون «خير» اسما لها، و لا يمكن أن يقدّر إلّا مثل قولك: «إن كان في عمله خير»، أو ما أشبهه، و هو ضعيف لفظا و معنى، أمّا اللّفظ فلكثرة ما نقدّره محذوفا، و أمّا المعنى فلأنّه يرجع مخصوصا، و ليس المعنى على الخصوص، و إنّما المعنى فيه على الإطلاق و التعميم.
و إنّما كان رفع الثاني هو الوجه لأنّه إذا ارتفع كان خبر مبتدأ محذوف بعد فاء الجزاء، و المبتدأ بعد فاء الجزاء جائز حذفه قياسا مستمرّا إذا علم، و هذا كذلك، و ضعف نصبه لأنّه لا بدّ أن يقدّر له ناصب، و لا ناصب ينبغي أن يقدّر غير «كان»، و إذا قدّرت «كان» فإمّا أن يكون التقدير: إن كان عمله خيرا كان جزاؤه خيرا، كما قدّره سيبويه [٣]، و هو ضعيف، لأنّه يلزم منه حذف الفاء الثابتة/ في المسألة، و هو غير مستقيم، و أيضا فإنّه حذف للفعل على غير قياس، و حذف المبتدأ المذكور حذف على قياس، فكان أولى، و إمّا أن يكون التقدير: إن كان عمله خيرا فيكون جزاؤه خيرا،
[١] سقط من د: «و هما»، خطأ.
[٢] في ط: «إنما يكون الأول في الناقصة»، مقحمة.
[٣] قال سيبويه بعد أن أورد المثال المذكور: «و من العرب من يقول: و إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا، كأنه قال:
إن كان الذي عمل خيرا جزي خيرا و إن كان شرا جزي شرا .. و الرفع أكثر و أحسن في الآخر لأنك إذا أدخلت الفاء في جواب الجزاء استأنفت ما بعدها و حسن أن تقع بعدها الأسماء» الكتاب: ١/ ٢٥٨، و انظر الكتاب: ٣/ ١١٣، ٣/ ١٤٩، و كتاب الشعر: ٥٧، و أمالي ابن الشجري: ١/ ٣٤١، و شرح التسهيل لابن مالك: ١/ ٣٦٤.