الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٣٤٠
«فصل: و إذا قلت: ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه» إلى آخره.
قال الشيخ: هذا راجع إلى الاستثناء المفرّغ باعتبار الصفات لأنّ التفريغ جار في الصفات و غيرها، قال اللّه تعالى: وَ ما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ [١]، و الصفة قد تكون بالمفرد، و قد تكون بالجملة [٢]، و حكمهما واحد في الصّحّة، فعلى هذا تقول: «ما جاءني أحد إلّا قائم» و «ما جاءني أحد إلّا أبوه قائم»، و كلّ ذلك مستقيم.
فإن قيل: فالاستثناء المفرّع معناه نفي الحكم عن كلّ ما [٣] عدا المستثنى، كقولك: «ما جاءني إلّا زيد»، و «ما ضربت إلّا يوم الجمعة» نفيت المجيء عن كلّ واحد [٤] و أثبتّه لزيد، و نفيت الضّرب في جميع الأوقات و أثبتّه في يوم الجمعة، و هذا لا يستقيم في الصّفة، لأنّك إذا قلت: «ما جاءني أحد إلّا راكب» لم يستقم أن ينتفي جميع الصّفات حتى لا يكون عالما و حيّا ممّا لا يستقيم أن ينفكّ عنه.
فالجواب من [٥] وجهين:
أحدهما: أنّ الصفات لا ينتفي منها [٦] إلّا ما يمكن انتفاؤه ممّا [٧] يضادّ المثبت، لأنّه قد علم أنّ جميع الصّفات لا يصحّ انتفاؤها، و إنّما الغرض نفي ما ضادّ المذكور بعد إلّا لمّا كان ذلك معلوما، فاغتفر استعماله بلفظ النفي و الإثبات المفيد للحصر.
الثاني: أن يقال: إنّ هذا الكلام يرد جوابا لمن ينفي تلك الصفة فيجاب على قصد المبالغة و الرّدّ جوابا يناقض ما قاله، و الغرض إظهار إثبات [٨] تلك الصفة و وضوحها و إظهارها دون غيرها.
[١] الشعراء: ٢٦/ ٢٠٨.
[٢] في ط: «قد تكون بالمفرد و الجملة».
[٣] في د: «من»، تحريف.
[٤] في د: «أحد».
[٥] في د: «فالجواب عنه من».
[٦] في ط: «عنها»، تحريف.
[٧] في ط: «و مما»، تحريف.
[٨] في الأصل. ط: «إثبات إظهار»، و ما أثبت عن د و هو أحسن.