الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٣٢١
المعنى فاعل [١]، فكما أنّ الفاعل لا يتقدّم على الفعل فكذلك هذا، ألا ترى أنّ قولك: «حسن زيد أبا» معناه: حسنت أبوّة زيد، أو حسن أبو زيد.
و الثاني [٢] أنّ تقديمه يخرجه عن حقيقة التمييز، فكان في تقديمه إبطال أصله، إذ حقيقة التمييز أن يميّز ما أشكل، و هو في المعنى تفسير، و التفسير لا يكون إلّا لمفسّر، و المفسّر لا بدّ في المعنى أن يكون مقدّما على التفسير، و إلّا لم يكن تفسيرا له، و في تقديم التمييز إخراجه عن ذلك، فوجب تأخيره، و قد تمسّكوا [٣] بأنّه معمول فعل متصرّف، فجاز تقديمه كسائر معمولات الأفعال المتصرّفة، و قوّوا ذلك بما أوردوه من قوله [٤]:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها
و ما كان نفسا بالفراق تطيب
و الجواب عمّا أنشدوه من وجهين:
أحدهما: أنّ الرواية «و ما كان نفسي بالفراق تطيب»، و ليس بالقويّ [٥].
و الثاني: أنّ ذلك على خلاف القياس و استعمال الفصحاء، و مثل ذلك مردود لا يحتجّ به، و ما ذكروه من المعنى لا ينهض، لأنّه معارض بمثله في المنع، و إذا تعارض المعنيان في الإجازة و المنع كان الأصل المنع حتى يثبت الباب عنهم [٦] سماعا، فقد تبيّن أنّ ما لم يسمع لا ينهض على [٧] ما نسب إلى سيبويه [٨].
قوله: «و اعلم أنّ هذه المميّزات عن آخرها أشياء مزالة عن أصلها»، و بيّن أنّ الأصل أن يكون التمييز موصوفا بما انتصب عنه، ألا ترى أنّ معنى قولك: «عندي عشرون درهما» عندي دراهم
[١] في د: «الفاعل».
[٢] أي: الوجه الثاني لعدم جواز تقديم التمييز على عامله، و الوجه الأول قوله: «لأنه في المعنى فاعل».
[٣] في د: «تمسك»، لعله يريد الذين أجازوا تقديم التمييز إذا كان عامله فعلا متصرفا. انظر الإنصاف: ٨٢٨.
[٤] هو المخبل السعدي، و البيت في الخصائص: ٢/ ٣٨٤ و المقاصد للعيني: ٣/ ٢٣٥ و ورد بلا نسبة في المقتضب: ٣/ ٣٧ و الإنصاف: ٨٢٨.
[٥] ردّ ابن جني رواية المازني و المبرد للبيت بنصب «نفسا» برواية الزجاجي و إسماعيل بن نصر و أبي إسحاق «و ما كان نفسي بالفراق تطيب» و قال: «فرواية برواية و القياس من بعد حاكم». الخصائص: ٢/ ٣٨٤.
[٦] في ط: «عندهم».
[٧] سقط من د: «على»، و هو خطأ.
[٨] انظر الكتاب: ٣/ ٣٠٤، ٥٣٨- ٥٣٩.