الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٣٠١
و الوجه الثاني: أنّ هذه المصادر المستعملة هذا الاستعمال هل هي قياس أو مخصوصة بما سمع منها؟
فذهب الأكثرون إلى أنّها موضوعة بمعنى الحال [١]، على حذف المضاف [٢]، فإذا قلت: «جاء زيد مشيا» فمعناه ماشيا، لا على أنّ التقدير «ذا مشي»، و هو مذهب المصنّف، لأنّه صرّح [٣] بذلك، و جعله في هذا الموضع كالحال الواقعة مصدرا، و لا خلاف أنّ الحال بمعنى المصدر نفسه، لا على حذف يصيّره مصدرا.
و ذهب الأكثرون في الوجه الثاني إلى أنّها سماعيّة لا قياسيّة، و ذهب المبرّد و من تابعه إلى أنّها قياسيّة بشرط أن يكون في الفعل دلالة عليها [٤]، و معنى دلالة الفعل عليها أن تكون في المعنى من تقسيمات الفعل، كالمشي و الرّكض و العدو بالنسبة إلى المجيء، فيجيز «جاءني زيد عدوا» و «مشيا» و «ركوبا» و «جريا» و أشباه ذلك لأنّها في المعنى من أقسام المجيء [٥]، و يمنع «جاء زيد ضحكا» و «بكاء» و «أكلا» و «شربا» و ما أشبهه، لأنّها ليست في المعنى أقسام المجيء [٦]، و كذلك أجاز [٧]:
«أتانا رجلة» و «سرعة»، لأنّه مثل [٨] قولك: «أتانا مشيا»، و لم يجزه سيبويه [٩]، لأنّه مخصوص عنده بالسّماع، و لم يسمع ذلك.
[١] هو مذهب سيبويه و جمهور البصريين، انظر الكتاب: ١/ ٣٧٠، و المقتضب: ٣/ ٢٣٤، و كلام السيرافي في حاشية الكتاب: ١/ ٣٧٠، و ارتشاف الضرب: ٢/ ٣٤٢.
[٢] في د. ط: «مضاف». و ظاهر كلام الرضي أنه لا يمتنع أن تحمل هذه المصادر على حذف مضاف، انظر شرح الكافية له: ١/ ٢١١، و ارتشاف الضرب: ٢/ ٣٤٣.
[٣] في ط: «صريح». و انظر المفصل: ٦٢.
[٤] انظر المقتضب: ٣/ ٢٣٤، و كلام السيرافي في حاشية الكتاب: ١/ ٣٧٠، و شرح المفصل لابن يعيش:
٢/ ٥٩، و شرح التسهيل لابن مالك: ٢/ ٢٢٨، و ارتشاف الضرب: ٢/ ٣٤٣.
[٥] سقط من د من قوله: «فيجيز جاءني زيد عدوا» إلى «المجيء»، و هو خطأ.
[٦] في الأصل. ط: «الفعل» و ما أثبت عن د و هو أحسن، قال السيرافي: «و لا تقول: أتانا ضربا و لا أتانا ضحكا، لأن الضرب و الضحك ليس من ضروب الإتيان». انظر حاشية الكتاب: ١/ ٣٧٠.
[٧] في د: «و لا يمنع» مكان «و كذلك أجاز»، و الضمير في «أجاز» يعود إلى المبرد، انظر المفصل: ٦٢.
[٨] في د: «بمنزلة».
[٩] انظر الكتاب: ١/ ٣٧٠.