الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٢٩
الإيضاح في شرح المفصل الجزء الاول
نام كتاب: الإيضاح في شرح المفصل
پديدآور: ابن حاجب، عثمان بن عمر
تاريخ وفات پديدآور: ٦٤٦ ه. ق
محقق: عبدالله، ابراهيم محمد
موضوع: صرف و نحو
زبان: عربى
تعداد جلد: ٢
ناشر: دار سعدالدين
مكان چاپ: دمشق- سوريه
نوبت چاپ: ١
الإيضاح في شرح المفصل، ج١المدخل، ص: ٥
الجزء الاول
[مقدمة الناشر]
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السّلام على سيّدنا محمّد و آله و أصحابة أجمعين.
يسر دار سعد الدين للطباعة و النشر و التوزيع أن تقدم لمحبي العربية كتاب «الإيضاح في شرح المفصل» لابن الحاجب، بتحقيق الأستاذ الدكتور إبراهيم محمد عبد اللّه.
و الدار إذ تحرص على طبع هذا الكتاب و نشره فإنها تتوخى من عملها هذا المساهمة في خدمة تراث اللغة العربية الشريفة، و تزويد مريديها بمصنف له و لصاحبه شأن في العربية.
فابن الحاجب مؤلف الكتاب من علماء القرنين السّادس و السّابع الهجريين، اشتهر بتضلعه في علوم شتى، كالفقه و أصوله و النحو و الصرف، و له مؤلفات ذاع صيتها و شغلت العلماء فانكبوا عليها و شرحوها، و ذلك نحو كتابيه «الكافية» في النحو و «الشافية» في الصرف، حتى إن هذين الكتابين كانا كتابي الناس في القرنين السّادس و السّابع في بلاد المشرق، و كثرت شروحهما، و لابن الحاجب مصنفات أخرى في علمي الفقه و الأصول، و لعل أشهرها كتاب «منتهى الوصول و الأمل في علمي الأصول و الجدل».
و كتاب الإيضاح هذا واحد من شروح كتاب «المفصل في العربية» للزمخشري، و قد كثرت شروح هذا الكتاب و التعليقات عليه، و ابن الحاجب أحد النحويين الذين تناولوا المفصل بالعناية فصنف «الإيضاح في شرح المفصل»، و تتجلى أهمية هذا الكتاب في أنه يظهر أصول التفكير النحوي عند ابن الحاجب، فمنه نعرف أسلوب صاحبه في تناوله لنصوص المفصل بالشرح و التوجيه و الفهم، و منه أيضا نقف على تمكن ابن الحاجب من مذاهب النحويين و مناقشتها، و اصطفاء ما يراه سديدا منها، و يمثل هذا الكتاب صورة واضحة لتأثر النحو بعلمي الأصول و المنطق.
رحم اللّه صاحب الإيضاح و جزاه اللّه خيرا
و اللّه المرجوّ أن يكون هذا السفر لبنة صالحة في صرح العربية التي نسعى لخدمتها و اللّه من وراء القصد، و هو نعم الوكيل.
الناشر محمّد سعد الدّين
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ٢
[مقدمة المحقق]
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للّه على ما أسدى من النعم و الصّلاة و السّلام على نبيه محمّد و آله و أصحابه أجمعين.
هذا السّفر واحد من شروح كتاب «المفصّل» للزمخشري، صنّفه ابن الحاجب، و المفصّل من مؤلفات الجهيرة في النّحو العربي، و من الكتب التي عرفت لدى النحويين، و أكبّ عليها أهل العلم و اشتغلوا بها، نحو الكتاب لسيبويه، و المقتضب للمبرد و الأصول لابن السّراج و الجمل للزجّاجي و الإيضاح للفارسي و اللّمع لابن جنّي، و المفصّل كان كتاب النّاس في خوارزم و خراسان و مصر و بلاد الشّام، إذ تناوله بالشّرح ثلّة من علماء هذه الأمصار و بلغ- فيما أحصيت- عدّة شروحه المخطوطة ثلاثة عشر شرحا، و عدّة شروحه المفقودة خمسة عشر شرحا، هذا عدا المصنّفات التي شرحت أبياته و قلّدته و اختصرته و نظّمته و نقدته.
و قد طبع من هذه الشروح اثنان أولهما شرح ابن يعيش و ثانيهما شرح صدر الأفاضل الخوارزمي المسمى «التّخمير»، و هناك شرحان آخران لم أرهما في المظان التي وقفت عليها، و إنّما ذكرا ذكرا، أولهما ذكره بروكلمان أنّه مطبوع في الهند باسم شرح محمّد طيّب مكي الهندي، و ثانيهما ذكرته دائرة المعارف الإسلامية أنّه مطبوع في كلكتا باسم شرح محمّد عبد الغني، و قد تطلبتهما فلم أظفر بهما.
و لما للمفصّل من هذه المنزلة رأيت أن يكون موضوع أطروحتي لنيل درجة الدكتوراة درس شرح من شروحه و تحقيقه، فوقع اختياري على كتاب «الإيضاح في شرح المفصل لابن الحاجب»، و بعد أن اعتمد تسجيله لنيل الدرجة العلمية المذكورة باشرت بالعمل في تحقيقه، و بعد حين من الزمن وقفت على دراسة لهذا الكتاب أعدها المرحوم الدكتور موسى بناي العليلي، طبعت في مطبعة العاني ببغداد، أشار فيها إلى أنه قام بتحقيق كتاب الإيضاح و أنه في طريقه إلى المطبعة، ففزعت إلى أولي العلم و النّهى ممن أحاطوني برعايتهم و علمهم، فأشاروا عليّ أن أمضي في عملي أنّ الكتاب لمّا يصدر، فعملت بمشورتهم و كانت خيرا، و بعد حين من الدهر وقفت على الإيضاح
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ٣
مطبوعا في مطبعة العاني ببغداد بتحقيق المرحوم الدكتور موسى بناي العليلي، و نظرت فيه فوجدت الدكتور أحاط تحقيق الكتاب بجهده و علق على ما رآه في حاجة إلى تعليق، و هو بلا ريب حاز قصب السبق إذ أخرج الكتاب على ما ارتآه، و قد اعتمدت هذه النسخة المطبوعة في عملي و جعلتها إحدى النسخ التي عوّلت عليها، و سيأتي الكلام عليها.
أما القسم الثاني من الأطروحة فهو قسم الدراسة، و لا أطيل الحديث عنه هنا لأنه سيصدر مطبوعا بإذن اللّه.
و بعد إذ بسطت الكلام على العمل في كتاب الإيضاح بدايته و منتهاه أراني في حاجة إلى تبيان أهميته، فهو يحتل مكانة بالغة الأهمية في المصادر النحوية، ففيه تتضح الخصائص البارزة لشخصية ابن الحاجب، و يظهر تمكّنه من الخوض في المسائل النحوية، و أسلوبه في شرح نصوص المفصل و فهمها، و فيه يبدو تأثره واضحا بالمنطق و الفقه و أصوله و يتجلّى فيه أيضا مذهبه النحوي، و يبرز تفرّده و استقلاليته، و استنادا إلى هذه الأشياء يمكن تحديد موقعه في تاريخ النحو العربي و أثره فيه.
و أما قسم التحقيق فقد حرصت فيه على أن أقدّم النص مضبوطا محرّرا من السقط و التصحيف و التحريف سليما من الاضطراب مخرّجا كلّ ما فيه من الشواهد و النصوص المنقولة، ثم ختمت هذا القسم بعدد من الفهارس تسهيلا للفائدة.
و تأبى عليّ نفسي أن أقفل هذه المقدمة دون أن أزجي لأصحاب الحقوق حقوقهم، و أن أدفع لأصحاب الجميل مستحقّهم، فللأستاذ الدكتور عبد الحفيظ السّطلي خالص الشّكر و العرفان بالأريحية إذ وافق على هذا البحث و أخذ بيد صاحبه و شجّعه فصنع على عينه.
أما أولئك القوم الأفاضل الذين قضوا و لما ينجز هذا العمل فإني أسأل اللّه تعالى لهم أن يتغمّدهم بواسع رحمته و يسكنهم فسيح جنانه و يجزيهم عنّي و عن طلبة العلم الأوفياء الذين كانوا يرتادون بيوتهم المفتحة أبوابها خيرا.
و أتقدم بالشكر الجزيل إلى الأساتذة لجنة الحكم الذين ناقشوا هذا البحث و إلى كل صديق مدّ لي يد العون و أسدى إليّ معروفا.
و اللّه وليّ التوفيق، و ما توفيقي إلا به، عليه توكّلت و إليه أنيب.
أ. د. إبراهيم محمد عبد اللّه
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ٤
نسخ الكتاب و منهج التحقيق
أولا: نسخ الكتاب:
١- النسخ المخطوطة:
تهيأ لي أن أقف على نسختين خطيتين من كتاب «الإيضاح في شرح المفصل»، الأولى في حلب و الثانية في دمشق، و للكتاب نسخ أخرى مخطوطة لم أوفق في الحصول عليها، و هذا بيان للنسختين اللتين اعتمدتهما و وصف للنسخ التي لم أحصل عليها.
١- نسخة الأصل:
و هي محفوظة في المكتبة الأحمدية في حلب [١]، و هي تامة، تتألف من ٣٥١ ورقة جيدة قديمة، قريبة من عهد المؤلف، نسخت سنة ٦٨٤ ه، أولها «بسم اللّه الرحمن الرحيم، قال: «اللّه أحمد» على طريقة «إياك نعبد» تقديما للأهم ..» و آخرها «و أولى من «يتسع» و «يتقي» باعتبار شذوذيهما، و اللّه أعلم بالصواب، و إليه المرجع و المآب، و قد فرغ من هذا الكتاب عبيد اللّه بن خضر بن يوسف في أوائل شهر اللّه المبارك جمادى الآخرة في سنة أربع و ثمانين و ستمائة، حامدا و مصليا على نبيّه محمد و آله الطيّبين المسبحين و سلم»، كتبت بخط التعليق الجيد، و ميّز متن المفصل من شرحه بخطوط فوق فقر المتن.
٢- نسخة المكتبة الظاهرية:
و هي نسخة محفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق [٢]، تامة، تتألف من ٢٥٢ ورقة، جيدة، مضبوطة، عليها تعليقات و حواش، نسخت سنة ٧٩٢ ه في حلب، أولها «بسم اللّه الرحمن الرحيم، و به أتوكل، قال: ( «اللّه أحمد» على طريقة «إياك نعبد» تقديما للأهم ...)، و آخرها «و إنما هو أولى من «يتسع» و «يتقي» باعتبار شذوذيهما، نجز الكتاب بحمد اللّه تعالى و حسن توفيقه على يد أضعف عباد اللّه يوسف بن إبراهيم بن محمد بن زكريا الكردي الهكاري بحلب المحروسة في منتصف شهر اللّه المبارك جمادى الأولى سنة اثنتين و تسعين و سبعمائة، رحم اللّه لمن نظر فيه و دعا لكاتبه بالرحمة و الرضوان و لكافة المسلمين أجمعين، و الحمد للّه وحده»، كتبت الصفحات الثماني الأولى
[١] المنتخب من المخطوطات العربية في حلب، القسم الرابع ص ٢٤٠- ٢٤١.
[٢] فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية- النحو: ٦٤- ٦٥.
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ٥
فيها بخط نسخي جميل، و كتب سائرها بخط نسخي عادي مقروء، كتب على الورقة الأولى تمليك باسم محمد بن خليل البغدادي الدمشقي بتاريخ ١١٥٩ ه، و تحبيس باسم الحاج محمد باشا والي الشام على طلبة العلم بتاريخ ١١٩٠ ه. و اعتمدت هذه النسخة في التحقيق و جعلت لها الرمز (د) للدلالة عليها.
و أما سائر النسخ الخطية التي لم أقف عليها فهي:
١- نسخة مخطوطة في مكتبة متحف (مولانا) في قونية، كتبت بخط النسخ السلجوقي، فرغ من كتابتها سنة ٧٠٧ ه ببلدة تبريز مدرسة الصلاحي، تتألف من ٢٢٠ ورقة [١].
٢- نسخة مخطوطة في كوبريلي، كتبت بخط نسخ مشكول سنة ٧٠٠ ه، و تتألف من ٣٥٦ ورقة [٢].
٣- نسخة مخطوطة لجزء من كتاب الإيضاح في شرح المفصل في خزانة القرويين كتبت بالسواك، لا يعرف تاريخ نسخها، و تتألف من ١٣٢ ورقة، أولها في الكلام على «نعم» و آخرها منتهى الإدغام [٣].
و أشار بروكلمان إلى عدة نسخ مخطوطة لهذا الكتاب و هي:
نسخة مخطوطة في ميونيخ ٦٩٣، و الإسكندرية ٤ نحو، و ياتنة ١/ ١٦١ رقم ١٥٢٣، و بنكييور ٢٠/ ٢٠٢٧، و برلين.t ٣٦٩٥٥٢، رقم ١، و المتحف البريطاني.ro ٧٧٥٩ (ثالث ٥٠)، و عاطف أفندي ٢٤٤٥، و جامع القرويين بفاس ١١٩١، و الخالدية بالقدس ٣٧٢ ب، و الظاهرية بدمشق ٦٧ (عمومية ٧٥) و أحمد تيمور باشا في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق ٣/ ٣٤١ و مكتبة إسماعيل صائب بأنقرة ١٣٩٧ (ريتر) [٤].
٢- النسخة المطبوعة:
طبع كتاب «الإيضاح في شرح المفصل» في مطبعة العاني في بغداد بتحقيق الدكتور موسى بناي العليلي، و اطلعت على هذه الطبعة و كنت قد تجاوزت نصف العمل في هذا الكتاب، و لكن ذلك لم يحجبني عن متابعة ما بدأت به، لأن هذه النسخة زخرت بالمواضع التي لم تحظ بالضبط
[١] فهرس المخطوطات العربية في مكتبة متحف (مولانا) في قونية، القسم الخامس ص: ٢٢١- ٢٢٢.
[٢] فهرس مخطوطات كوبريلي: ٢/ ١٦٧.
[٣] فهرس خزانة مخطوطات القرويين: ٢/ ١٧- ١٨.
[٤] بروكلمان: ٥/ ٢٢٥- ٢٢٦.
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ٦
و الدقة، و أصابها الاضطراب و الخلل في العبارة في غير ما موضع، و كثر فيها السقط المخل بالمعنى، و اتصف عمل المحقق بالسرعة و عدم التثبت و الصبر.
و كثرت المواضع التي تحتاج إلى الضبط و التثبت و الدقة، و منها أن المحقق ضبط بعض الكلمات ضبطا خاطئا، فقد ضبط كلمة «مقدّم» بالجر في قول ابن الحاجب: «و إنما ينهض مثالا لما ذكره إذا جعل «سواء» [١] خبر مبتدأ مقدم [٢]» و الصواب نصبها [٣]، و مثل ذلك ضبطه كلمة «فاعل» بالرفع في قول ابن الحاجب «و أما إذا جعل «سواء» خبر «إنّ» و أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فاعل لها [٤]، و الصواب نصبها [٥]، و من ذلك أنه ضبط قول ابن الحاجب: «أن الفرار المظنون سبب للنجاة و سبب للإخبار [٦]» برفع «سبب» و زيادة الواو في «و سبب» و الصواب «أن الفرار المظنون سببا للنجاة سبب للإخبار [٧]»، و مما يلاحظ أن المحقق ضبط كل اسم بعد ضمير الشأن بالرفع، سواء أكان قبله فعل ناسخ عامل فيما بعده أم لم يكن.
و من المواضع التي اتصف فيها عمل المحقق بالسرعة و عدم التثبت و الدقة أنه قال عند قول ابن الحاجب: «و أجاب ابن الأنباري»: «هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه بن أبي سعيد الأنباري الملقب بالكمال النحوي ت ٥٧٧ ه [٨]»، و الصواب أنه محمد بن القاسم أبو بكر بن الأنباري ٣٢٨ ه [٩]».
و السرعة و عدم التثبت أوقعا المحقق في أخطاء فادحة، فقد جعل الحديث: «لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا عليّ» شعرا و أثبته على هيئة بيت شعر، و ذكر عبارة ابن الحاجب على النحو التالي:
«و ذو الفقار و علي في قوله:
٧١- لا سيف إلا ذو الفقار
و لا فتى إلا علي
[١] من الآية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) من سورة البقرة: ٢/ ٦.
[٢] النسخة المطبوعة: ١/ ١٩٠.
[٣] انظر الإيضاح: الأصل: ٤٠ أ.
[٤] انظر النسخة المطبوعة: ١/ ١٩٠.
[٥] انظر الإيضاح: الأصل: ٤٠ أ.
[٦] النسخة المطبوعة: ١/ ٢٠٧.
[٧] انظر الإيضاح: الأصل: ٤٥ أ.
[٨] النسخة المطبوعة: ١/ ٢١٩.
[٩] انظر ص: ٣٠٧ الإيضاح: الأصل: ٤٨ أ.
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ٧
لا يصح أن يكون «خبرا [١]» ثم قال في الحاشية: «هذا البيت ذكره أبو الفداء في البداية و النهاية، قال: قال الحسن بن عرفة: حدثني عمار بن محمد عن سعيد بن محمد الحنظلي عن أبي جعفر محمد بن علي قال: نادى مناد في السماء يوم بدر يقال له رضوان، و ذكر الرجز [٢]».
و فيما قاله المحقق من التخليط و التخبط الشيء الكثير، فقد ساق الحديث كما يساق الشعر، و لكنه على الهيئة التي أثبته فيها غير موزون، ثم ساق كلام ابن كثير و قال: «و ذكر الرجز»، و أيّ رجز هذا؟ على فرض أن الحديث موزون فهو من مجزوء الكامل على أن تكتب الراء من «الفقار» في الشطر الثاني، ثم إن الحديث لا يمتّ إلى الرجز بشيء، و ابن كثير لم يقل عن الحديث: إنه رجز أو غير رجز، و إنما ساقه على أنه حديث، و هذه عبارته «و قال الحسن بن عرفة: حدثني عمار بن محمد عن سعيد بن محمد الحنظلي عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: نادى مناد في السماء يوم بدر يقال له: رضوان: لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي، قال ابن عساكر: و هذا مرسل [٣]».
فابن كثير لم يشر إلى رجز كما رأينا، و إنما أشار إلى مناد نادى بهذا الحديث من السماء، ثم أتى بقول ابن عساكر فيه بأنه مرسل، و لو تنبه المحقق إلى كلمة مرسل لاهتدى إلى الصواب، لأن الحديث يوصف بأنه مرسل إذا سقط منه اسم الصحابي [٤].
و أورد ابن كثير هذا الحديث في موضع آخر و قال: «لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي» ثم حكم عليه بقوله: «و هذا إسناد ضعيف و حديث منكر [٥]».
فابن كثير صرح في الموضعين بأن «لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي» حديث، و حكم عليه بحكمين: الأول أنه مرسل و ذلك على لسان ابن عساكر، و الثاني أنه حديث منكر، و كلمة «منكر» تدل على أنه حديث، و المنكر قسم من أقسام الحديث [٦]، فمن أين جاء المحقق بالرجز؟ ألم يتمّ قراءة عبارة ابن كثير في البداية و النهاية ليهتدي إلى الصواب و يتجنب الزلل؟
و ربما غرّه أن هذا الحديث موزون، و لكنه لم يهتد إلى وزنه الصحيح و عدّه من الرجز، و هو ليس من الرجز، و إنما هو من مجزوء الكامل إذا بتر عن تتمته، فقد روي «نزل جبريل على رسول
[١] النسخة المطبوعة: ١/ ٢١٧.
[٢] النسخة المطبوعة: ١/ ٢١٧.
[٣] البداية و النهاية: ٧/ ٢٣٥.
[٤] انظر شرح ألفية العراقي المسماة بالتبصرة و التذكرة: ١/ ١٤٤.
[٥] البداية و النهاية: ٧/ ٢٧٥.
[٦] انظر شرح ألفية العراقي المسماة بالتبصرة و التذكرة: ١/ ١٩٧.
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ٨
اللّه فقال: يا محمد لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي [١]»، و روي «لا فتى إلا علي و لا سيف إلا ذو الفقار [٢]»، و بذا يسقط وزنه.
و من المواضع التي أسرع فيها المحقق أنه مرّ على الآية: سَواءً مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ [٣] دون أن يشير إلى أنها آية قرآنية، و قد استشهد بها ابن الحاجب على تقديم الخبر على المبتدأ، و لها قراءة بنصب سواء و رفعها [٤].
و منها أنه يتجاوز العبارة دون أن يحيط بمعناها، من ذلك العبارة التالية: «فكان الضمير عائدا على غير مذكور في المعنى [٥]»، و الصواب أن تسقط «غير»، لأنها تفسد المعنى، لأن ابن الحاجب جاء بهذه العبارة ليدل على أن عود الضمير على متقدم في الرتبة و متأخر في اللفظ جائز، و هذه عبارته: «و إن أعمل الأول فلا يخلو الثاني من أن يكون للفاعل أو للمفعول، فإن كان للفاعل وجب الإضمار باتفاق، و ليس إضمارا قبل الذكر، فيتوهم امتناعه، كقولك: «ضربت و ضربوني الزيدين»، لأن «الزيدين» معمول الفعل المتقدم، فهو في المعنى متقدم على الفعل الثاني، فكان الضمير عائدا على مذكور في المعنى [٦]».
و من مظاهر السرعة و عدم الدقة في العمل أن المحقق ترك جواب الشرط متصلا بالواو في قول ابن الحاجب: «فإن قيل: فقد عمل «أيّا» في «تدعوا» و «تدعوا» في «أيّا» في قوله تعالى: أَيًّا ما تَدْعُوا [٧]، و أجيب [٨] ..» و الصواب إسقاط الواو من «و أجيب».
و لم يتثبت المحقق من نص المفصل الذي جاء عند ابن الحاجب، و من ذلك أنه ساق قول الزمخشري: «و الخبر على نوعين: مفرد و جملة، فالمفرد على ضربين: خال عن الضمير و مضمر
[١] كنز العمال: ٥/ ٧٢٣.
[٢] المفصل: ٣٠، و شرحه لابن يعيش: ١/ ١٠٧، و شرح الكافية للرضي: ١/ ٢٣٩، و انظر الإيضاح: الأصل: ٤٧ ب.
[٣] النسخة المطبوعة: ١/ ١٩٠، و الآية من سورة الجاثية: ٤٥/ ٢١.
[٤] انظر الإيضاح: الأصل: ٤٠ أ.
[٥] النسخة المطبوعة: ١/ ١٦٤.
[٦] الإيضاح: الأصل: ٣٣ أ.
[٧] الإسراء: ١٧/ ١١٠ و الآية: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.
[٨] النسخة المطبوعة: ١/ ١٨٣.
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ٩
له [١]»، و لو عاد إلى نص المفصل لوجد أن الصواب «و متضمن له [٢]».
و من المواضع التي لم يتحقق فيها من نص المفصل أنه ساق العبارة التالية مع ما وقع فيها من خطأ و سقط: «و الثاني: أن تعرب [٣]»، و هو القياس، «أو محمولة على محله» [٤]، و هو القياس أيضا من جهة أن الإعراب في التابع و المحل، و إلا في المحلّ ..» [٥]، فقد وقع في هذه العبارة خطأ في نص المفصل، إذ أورده المحقق «أو محمولة على محله»، و الصواب «محمولة على محله» [٦]، و وقع في العبارة أيضا سقط مخل، و الصواب أن تأتي كالتالي: «و الثاني: أن تعرب»، و هو القياس، «محمولة على محله»، و هو القياس أيضا، من جهة أن الإعراب في التابع إنما يكون على إعراب المتبوع إن أمكن في اللفظ و المحل» [٧].
و وقع في هذه النسخة اضطراب و سقط مخلان بالمعنى، و من أمثلة ذلك العبارة التالية «و بشرائطه أنه إذا كان ظرفا إذا كان جملة فلا بدّ له من ضمير، و المبتدأ نكرة فلا بد من تقدم الخبر» [٨]، و صواب العبارة «و بشرائطه أنه إذا كان جملة فلا بد له من ضمير، و إذا حذف فلا بد له من قرينة، إما حالية أو مقالية، و إذا كان ظرفا و المبتدأ نكرة فلا بد من تقديم الخبر» [٩]، فقد وقع سقط ذهب بالمعنى و لم يتداركه المحقق أو ينبه عليه.
و من السقط المخلّ أيضا العبارة التالية «و الحذف الذي يكون واجبا، و ستأتي أمثلة تدلّ على ذلك» [١٠]، و صواب العبارة «و الحذف الذي يكون واجبا أن يقع ما تقدّم لفظ موقع الخبر يسدّ مسدّه، فحينئذ يكون الحذف واجبا، و ستأتي أمثلة تدل على ذلك» [١١]، و لم يشر المحقق إلى سقط أو اضطراب في العبارة، و مرّ عليها صامتا.
[١] النسخة المطبوعة: ١/ ١٨٧.
[٢] انظر ص: ٢٧٥.
[٣] هذا كلام الزمخشري، المفصل: ٧٨.
[٤] هذا كلام الزمخشري، المفصل: ٧٨.
[٥] النسخة المطبوعة: ١/ ٣٩٠.
[٦] انظر المفصل: ٧٨.
[٧] الإيضاح: الأصل: ٩٣ أ.
[٨] النسخة المطبوعة: ١/ ٢١٠.
[٩] الإيضاح: الأصل: ٤٦ أ.
[١٠] النسخة المطبوعة: ١/ ١٩٣.
[١١] الإيضاح: الأصل: ٤١ أ.
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ١٠
و منه أيضا العبارة التالية «أنه لا يتوقف كونه صالحا لأن يكون خبر إن، بل يعرف ذلك قبل دخول إن بأن يقال: كل مبتدأ و خبر لا منافاة بينهما و أن تصالح أن يكون خبر المبتدأ خبرا لأن، فينتفي الدور» [١]، و اضطراب العبارة لم ينتبه إليه المحقق، و الصواب فيها «أنه لا يتوقف كونه صالحا لأن يكون خبر «إنّ» على دخول «إنّ»، بل يعرف ذلك قبل دخول «إنّ» بأن يقال: كل مبتدأ و خبر لا منافاة بينهما و بين «إنّ» فصالح أن يكون خبر المبتدأ خبرا ل «إنّ» فينتفي الدّور» [٢].
و ما ذكرته عن هذه النسخة شيء مما وقع فيها من الاضطراب و السقط المخلين بالمعنى، و السرعة في العمل و عدم الدقة و التثبت و التوثيق، و ضربت صفحا عن ذكر المواضع التي لحقها التصحيف و التحريف و هي كثيرة، نبهت عليها في مواطنها.
ثانيا: منهج التحقيق:
كان طبيعيا أن أتخذ نسخة حلب أصلا في التحقيق، و ذلك لقربها من عهد ابن الحاجب، فقد رأينا أنها نسخت سنة ٦٨٤ ه، و هي أقدم النسخ التي وقفت على ذكر لها، و لما اتصفت به من الدقة و الجودة و قلة السقط إلا في بعض المواضع، و يعود ذلك إلى خطأ العين في أغلب الأحيان.
و اعتمدت أيضا على نسخة المكتبة الظاهرية، و جعلت لها حرف (د) رمزا، و لكي يكون العمل قريبا إلى التمام قابلت النص المحقق على النسخة المطبوعة، و جعلت حرف (ط) رمزا لها.
و بما أن عبارة ابن الحاجب ليست بالعبارة السهلة القريبة، و أسلوبه في عرض المسائل النحوية لم يكن بسيطا، و إنما اعتوره بعض الجفاف، تناول منهج التحقيق الإحاطة بعبارته و متابعتها و ضبطها، و التنبيه على ما قد يطرأ عليها من السقط و التصحيف و التحريف لتلافيه، و استعنت بنسخة المكتبة الظاهرية لتدارك السقط الذي وقع في النسخة الأصل، و تصحيح بعض المواضع التي أصابها التصحيف و التحريف، و وضعت ما سقط من الأصل بين معقوفين [].
و أعدت الضمائر إلى أصحابها كلما رأيت إلى ذلك داعيا، فكثيرا ما كان ابن الحاجب يسوق كلمات فيها ضمائر، و هذه الضمائر تارة تعود إلى الزمخشري، و تارة تعود إلى غيره من النحويين الذين عوّل ابن الحاجب على آرائهم، و عود الضمائر عنده مشكلة، فقد يعيد ضمير المذكر على المؤنث، و ضمير المفرد على الجمع و نبهت على ذلك في مواطنه.
و حرصت على أن أوثق النص، فتثبتّ من الفقرات التي نقلها ابن الحاجب من المفصل،
[١] النسخة المطبوعة: ١/ ٢١١.
[٢] الإيضاح: الأصل ٤٦ ب.
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ١١
و أشرت إلى الخلاف بينها و بين ما جاء فيه، و أعدت الآراء النحوية التي ساقها الشارح إلى مظانها، و تحققت من نسبتها إلى أصحابها، و حاولت ما استطعت أن أعيد النصوص و الأمثلة و الآراء النحوية التي لم تنسب إلى مصادرها و أصحابها.
و ضبطت الآيات القرآنية التي استشهد بها ابن الحاجب، و تيقنت من نسبة القراءات التي أشار إليها إلى أصحابها بالعودة إلى مصادرها في كتب القراءات، و نسبت ما لم ينسبه، و خرجت الأحاديث النبوية من مظانها و نبهت على مدى صحتها ما وجدت إلى ذلك سبيلا.
و حاولت جاهدا أن أنسب الشواهد الشعرية إلى أصحابها النسبة الصحيحة، و ضبطتها بالشكل، و خرجتها من مصادرها، و لم أن باختلاف الرواية إلا إذا كان ذلك الاختلاف يتعلق بموطن الشاهد، و شرحت الكلمات الغريبة، و التزمت في الإشارة إلى مصادر الأبيات بالترتيب الزمني، فكنت أبدأ بالمصدر المتقدم فالذي يليه و هكذا ..
و صنعت فهارس للآيات و الأحاديث و الشواهد الشعرية و الأماكن و الأعلام، و اللغة و الموضوعات، آملا أن تكون هذه الفهارس خير معين للقارئ، و لم أترجم لجميع الأعلام الواردة أسماؤهم، و إنما ترجمت لغير المشاهير منهم- كما رأيت- ممن يحتاج القارئ إلى معرفة شيء عنهم.
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ١٢
٩٠٨
شرح المفصل للعلامة الزمخشرى
شرحه
العلامة ابنه الحاجب
ورقة الغلاف من نسخة الظاهرية
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ١٣
الورقة الأولى من نسخة الظاهرية
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ١٤
الورقة الأولى من الأصل
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ١٥
الورقة الأخيرة من الأصل
الإيضاح في شرح المفصل، مقدمةج١، ص: ١٦
القسم الأول الأسماء