الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٢١٢
المفعول به
قوله: «هو الذي يقع عليه فعل الفاعل» [١].
قال الشيخ: أراد بالوقوع التعلّق المعنويّ المعقول [٢]، لا الأمر الحسيّ، إذ ليس كلّ الأفعال المتعدّية واقعة على مفعولها حسّا، كقولك: «علمت زيدا» و «أردته» و «شافهته» و «خاطبته»، و ما أشبه ذلك، و التعلّق المعنويّ هو الذي يشمل الجميع، فوجب حمله عليه، كما قال [٣]: «و هو الفارق بين المتعدّي من الأفعال و غير المتعدّي» و ذلك أنّ الفعل المتعدّي هو الذي له متعلّق تتوقّف عقليّته عليه، فما كان متعدّيا إلّا باعتبار هذا المتعلّق، و هو الذي يسمّى مفعولا به، و إذا كان كذلك وجب أن يكون هو الفارق بين المتعدّي و غير المتعدّي، ألا ترى أنّك لو قطعت النظر عنه كانت الأفعال كلّها سواء في عدم التعدّي، و لو قدّرتها جميعا كذلك كانت كلّها متعدّية، و إنّما انقسمت باعتبار أنّ بعضها له هذا التّعلّق، و بعضها عري عنه، فما ثبت له هذا التعلّق فهو متعدّ، و ما عري عنه فهو غير متعدّ، فهو الفارق بين المتعدّي من الأفعال و غير المتعدّي على التحقيق.
و سمّي هذا المتعلّق المفعول به لأنّه أوقع الفعل به أو تعلّق به، أو لأنّه جواب «من فعلت [٤] به هذا الفعل»، و الكلام في كونه مفعولا و في نصبه في مثل «ما ضربت زيدا» كالكلام في الفاعل.
قال: «و يكون [٥] واحدا فصاعدا إلى الثلاثة على ما سيأتيك».
و ذلك أنّ الفعل تتوقّف عقليّته تارة على متعلّق واحد، فيجب أن يكون/ متعدّيا إلى واحد، كقولك: أكلت، و شممت، و لمست، و تارة تتوقّف على اثنين، فيجب أن يكون متعدّيا إلى اثنين، كقولك: أعطيت، و كسوت، و خلت، و حسبت، و زعمت، و علمت المتعلّق بالنّسب [٦]، و تارة تتوقّف على ثلاثة فيجب أن يكون [٧] متعدّيا إلى ثلاثة، كقولك: أعلمت، إذا قصدت تصييره عالما
[١] عرف ابن الحاجب المفعول به بقوله: «هو ما وقع عليه فعل الفاعل» الكافية: ٨٧.
[٢] سقط من د: «المعقول» و هو خطأ، و هي في ط: «للمفعول»، تحريف.
[٣] أي الزمخشري، المفصل: ٣٤.
[٤] في ط: «فعل»، تحريف.
[٥] في د: «و قد يجيء»، و هو مخالف للمفصل: ٣٤.
[٦] سقط من ط: «المتعلق بالنسب» و هو خطأ.
[٧] في الأصل. ط: «فيكون»، و ما أثبت عن د و هو أحسن.
الإيضاح في شرح المفصل، ج١، ص: ٢١٣
بالمركّبات، و ليس في الأفعال ما تتوقّف عقليّته على أكثر من ذلك. [١]
قوله: «و يجيء منصوبا بعامل مضمر مستعمل إظهاره، أو لازم إضماره».
[أقول: قد] [٢] قسّم [المصنّف] [٢] عامل المفعول به إلى ظاهر [٣] و مضمر، و الذي تقدّم تمثيل [٤] للظّاهر، و استغنى عن ذكره على ما هو عادته في الاستغناء، و ذكر المضمر لكونه لم يتقدّم له ذكر، و قسمه إلى ما يجوز إظهاره و إلى ما لا يجوز إظهاره [٥].
و الذي يجوز إظهاره هو أن تكون معه قرينة تشعر بخصوصيّة ذلك الفعل المحذوف مجرّدا من غير وقوع لفظ آخر في موضعه، أو ما يقوم مقامه، مثل: أهلا و سهلا، كالنائب عنه، ثمّ مثّله [٦] بأمثلة، فمنه قولهم لمن أخذ يضرب القوم، أو قال: «أضرب شرّ الناس»: زيدا، لأنّ أخذه [٧] قرينة حالية تشعر بمقصوده في قصد الفعل.
قوله: «المنصوب بالمستعمل إظهاره»، هو في الحقيقة راجع إلى كلّ موضع قامت فيه قرينة تدلّ على خصوصيّة الفعل المحذوف، و ليس في موضع الفعل لفظ يقوم [٨] مقامه، و لا كثرة بلغت مبلغا يستغنى بها عن الفعل، ثم شرع يمثّلها بما ذكره.
قال: «هو قولك لمن أخذ يضرب القوم»، [فالقوم منصوب] [٩] مفعولا [به] [٩] ل «يضرب» [١٠] الملفوظ بها، و المثال إنّما هو «زيدا» [١١]، و لا يستقيم أن يكون «القوم» مثالا للمنصوب بالفعل المحذوف لأمرين:
[١] في د: «ثلاثة» مكان «ذلك».
[٢] سقط من الأصل. ط. و أثبته عن د.
[٣] في د: «مظهر».
[٤] في ط: «يمثل».
[٥] سقط من د. ط: «إظهاره».
[٦] في ط: «مثّل».
[٧] في ط: «آخره»، تحريف.
[٨] في د: «لفظ يلتزم يقوم».
[٩] سقط من الأصل. ط. و هو خطأ. و أثبته عن د.
[١٠] في ط: «بيضرب».
[١١] أي من المثال الذي ساقه الزمخشري و هو «أو قال: «أضرب شرّ الناس زيدا بإضمار اضرب» المفصل: ٣٤.