الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ٢٠٧
قال الشيخ: قد ذكر في هذا الفصل أسماء غير مصادر في الأصل نصبت على المفعول المطلق، و قد تقدّم ذكر ذلك [١] في أوّل هذا الباب، و لكنّه ذكرها لغرض آخر، و هو كونها انتصبت نصب المصادر، و يلزم [٢] إضمار أفعالها الناصبة لها، فالوجه الذي ذكرها لأجله ههنا غير الوجه الذي ذكرها من أجله أوّلا، إذ لم يذكرها أوّلا باعتبار أنّ فعلها محذوف، بل ذكرها مظهرا فعلها في مثل قولك: «رجع القهقرى» و «ضربته سوطا»، و ذكرها ههنا باعتبار لزوم إضمار الفعل، و هو معنى قوله: «ذلك المجرى» إشارة إلى ما تقدّم من لزوم إضمار الفعل، ثم قسمها قسمين: إلى ما هو في الأصل اسم لأجسام، و إلى ما هو موضوع وضع الصفات، ثم قصد بها إلى قصد مدلول الفعل، فوجب أن يكون مفعولا مطلقا لذلك.
فالنوع الأول نحو: تربا و جندلا [٣]، و معلوم أنّ ذلك في الأصل اسم لهذه الأجسام المعروفة، إلّا أنّ المتكلّم بقوله: تربا في الدّعاء لم يرد به إلّا الدّعاء/ و إذا علم ذلك وجب أن يكون مصدرا، إذ لا فرق بين قوله: خيبة و بين قوله: تربا، و كذلك «جندلا» معناه إهلاكا، و إذا علم ذلك وجب أن يحكم بالمصدريّة، و كذلك قوله: فاها لفيك [٤]، هذا في الأصل اسم للفم، و الضمير للدّاهية [٥]، و قول القائل: «فاها لفيك» داعيا لم يرد به الفم، و إنّما قصد الخيبة و إصابة الدّاهية، كأنّه قيل: دهيت [٦] دهيا [٧]، و إذا علم ذلك وجب الحكم بالمصدريّة، و قيل: أصله: جعل اللّه فاها لفيك [٨]، ثمّ كثر حتى صار عبارة عن إصابتها.
و النوع الثاني: نحو قوله: هنيئا مريئا [٩]، لأنّ أصله صفة، إذ هو من قولك: هنأ و مرأ، فهو
[١] في د: «ذكره».
[٢] في د: «و لزم».
[٣] انظر الكتاب: ١/ ٣١٤ و المقتضب: ٣/ ٢٢٢.
[٤] قال سيبويه: «و من ذلك قول العرب: فاهالفيك، و إنما تريد فا الداهية» الكتاب: ١/ ٣١٥.
[٥] جاء بعدها في د: «أي: الزم فم الداهية».
[٦] في ط: «ذهبت»، تصحيف.
[٧] في ط: «دهاء». و دهاء مصدر دهي. اللسان (دهي).
[٨] ذكر الميداني و الزمخشري هذا، انظر مجمع الأمثال: ٢/ ٧١، و المستقصى: ٢/ ١٧٩.
[٩] جاء بعدها في د: «أي: مقام هنء، جعل الصفة مقام المصدر». و انظر الكتاب: ١/ ٣١٦- ٣١٧، و أمالي ابن الشجري: ١/ ٣٤٦.