الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ١٥٠
تعالى: وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ [١]، و المراد كلّ عبد مؤمن، و مثل ذلك ليست الصفة فيه بمصحّحة للابتداء [على الانحصار] [٢]، بل مثلها في قولك: «في الدار رجل عالم»، و الذي يصحّح ذلك صحّة قولك: «رجل خير من امرأة»، و قولهم: «تمرة خير من جرادة»، و ذلك جار في كلّ نكرة لم يقصد بها واحد مختصّ، و كان [٣] في معنى العموم، و ذلك مصحّح مستقلّ.
و إمّا غير موصوفة، كالنكرة الداخلة عليها همزة الاستفهام و أم المتّصلة، فإنّها إذا دخلت عليها دلّت على أنّ المتكلم [٤] عالم بإثبات الحكم لأحدهما [٥]، إلّا أنّه لا يعلمه بعينه، فهو يسأل عن التّعيين [٦]، و إذا كان الحكم معلوما صار الخبر في المعنى كوصف، فكانت في المعنى كنكرة موصوفة.
و إمّا نكرة في سياق النّفي، كقولهم: «ما أحد خير منك»، فإنّ النكرة في سياق النفي تعمّ، و إذا عمّت كانت للجميع، فكانت في المعنى كالمعرفة [٧].
و إمّا أن تكون في كلام مقدّر بالفاعل، كقولهم: «شرّ أهرّ ذا ناب» [٨]، فإنّ معناه ما أهرّ ذا ناب إلّا شرّ، و إذا كان في معنى الفاعل صحّ الابتداء به، لأنّ الفاعل محكوم عليه قبل ذكره، فكأنّه موصوف، فالوجه الذي صحّ الإخبار به عن الفاعل هو المصحّح للابتداء بالنكرة التي في معنى الفاعل، و منه «شرّ يجيئك [٩] إلى مخّة عرقوب» [١٠]، يضرب في شدّة الضرورة المحوجة إلى ما لا
[١] البقرة: ٢/ ٢٢١، الآية: وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ.
[٢] سقط من الأصل. ط. و أثبته عن د.
[٣] في د. ط: «فكان».
[٤] في ط: «المتعلم»، تحريف.
[٥] أجاز النحاة الابتداء بالنكرة إذا سبقها همزة الاستفهام، و قيّد ابن الحاجب ذلك بدخول «أم» المتصلة، و هو في ذلك مخالف للنحويين، انظر ردّ الرضي و ابن هشام عليه في شرح الكافية للرضي: ١/ ٨٩- ٩٠، و مغني اللبيب: ٥٢٢.
[٦] في ط: «المتعين».
[٧] جاء بعدها في د: «لأن الجميع معلوم عند كل أحد».
[٨] انظر الكتاب: ١/ ٣٢٩ و الخصائص: ١/ ٣١٩، و مجمع الأمثال: ١/ ٣٧٠ و اللسان (هرر).
يقال: أهرّه إذا حمله على الهرير، و هذا مثل يضرب في ظهور أمارات الشرّ و مخايله، انظر مجمع الأمثال: ١/ ٣٧٠.
[٩] في د: «لجأك».
[١٠] روايته في مجمع الأمثال: ١/ ٣٥٨ و اللسان (مخخ): «شرّ ما يجيئك إلى مخّة عرقوب» و في المستقصى:
٢/ ١٣١ «شر ما أجاءك إلى مخة عرقوب»، قال الميداني: «أجأته إلى كذا: أي: ألجأته، و المعنى: ما ألجأك إليها إلا شر، أي: فقر و فاقة، و ذلك أنّ العرقوب لا مخّ له و إنما يحوج إليه من لا يقدر على شيء،-