الإيضاح في شرح المفصل - ابن الحاجب - الصفحة ١٣٣
و الدليل على ما ذهب إليه البصريون مجيء ذلك في القرآن في مثل قوله: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [١] و هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [٢]، و لو كان العمل للأوّل لقال: اقرؤوه كتابيه، و وجه الاستدلال هو أنّه لو أعمل الأوّل لكان الأحسن «اقرؤوه»، و لم يأت «اقرؤوه» فدلّ على أنّه لم يعمل الأوّل، و لا يستقيم أن يقال: جاء الآيتان [٣] على أحد الجائزين، فإنّا لم نختلف في الجواز، و إنّما [٤] اختلفنا في الأحسن، و إذا ثبت أنّ إعمال الأوّل ليس بأحسن وجب أن يكون إعمال الثاني أحسن، إذ لا قائل بثالث، و لو كان [٥] فالكلام معهم [٦] لا مع غيرهم، و لا يستقيم أن يقال: جاء محذوفا منه المضمر لما بيّنّا أنّه موهم [٧]، و إن كان على غير الأحسن و الإعمال للأوّل فإنّه يؤدّي إلى أن يكون الإجماع على قراءة ليست بالأحسن، و مثل ذلك لم يأت في القراءة المجمع عليها أصلا، فثبت أنّ ما صار إليه البصريّون أولى، و من حيث المعنى هو أنّ أصل المعمول أن يلي عامله، و هذا الظاهر يلي الثاني، فكان أولى أن يكون عاملا له ممّا فصل بينه و بينه فاصل، و أنشد سيبويه مستدلا على أنّ الأوّل يحذف أو يضمر استغناء عنه بقوله [٨]:
نحن بما عندنا و أنت بما
عندك راض و الرّأي مختلف
[١] الكهف: ١٨/ ٩٦.
[٢] الحاقة: ٦٩/ ١٩.
[٣] سقط من ط: «الآيتان».
[٤] في ط: «و ربما» تحريف.
[٥] أي: و لو وجد من يقول بقول ثالث.
[٦] أي: مع الكوفيين.
[٧] سقط من ط: «لما بينا أنه موهم».
[٨] ورد البيت في مجاز القرآن: ١/ ٣٩ و جمهرة أشعار العرب: ٣ و معجم الشعراء: ٥٦، و الخزانة: ٢/ ١٨٩ منسوبا إلى عمرو بن امرئ القيس الخزرجي، و نسب في الكتاب: ١/ ٧٥ و المقاصد للعيني: ١/ ٥٥٧ و الدرر:
٢/ ١٤٢ إلى قيس بن الخطيم، و حكى العيني عن ابن هشام اللخمي أن صاحب البيت هو عمرو بن امرئ القيس الأنصاريّ، و صحّح الدكتور ناصر الدين الأسد نسبته و معه أبيات أخرى إلى عمرو بن امرئ القيس الخزرجي، انظر ديوان قيس بن الخطيم: ٦٣، و عزّاه صاحب الإنصاف: ٩٥ إلى درهم بن زيد الأنصاري و هو بلا نسبة في معاني القرآن للفراء: ١/ ٤٣٤، و المقتضب: ٤/ ٧٣ و أمالي ابن الشجري: ١/ ٢٩٦، و أمالي ابن الحاجب: ٧٢٦، و المغني: ٦٨٧ و الهمع: ٢/ ١٠٩.