الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٨٩
تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [سورة الأنعام: ١٢٥]، فصرح بأحكام الدنيا.
و شرح الصدر و حرجه، و ذكر الإسلام من أصدق الآيات على ما قلناه.
و إن استشهد المعتزلة في روم حمل الهداية على الدعوة أو غيرها مما يطابق معتقدهم بالآيات التي تلوناها، فالوجه أن نقول: لا بعد في حمل ما استشهدتم به على ما ذكرتموه، و إنما استدللنا بالآيات المفصلة المخصصة للهدى بقوم و الضلالة بآخرين، مع التنصيص على ذكر الإسلام و شرح الصدور و حرجه له. و لا مجال لتأويلاتهم المزخرفة في النصوص التي استدللنا بها.
و أما آيات الطبع و الختم، فمنها قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [سورة البقرة: ٧]؛ و قوله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [سورة النساء: ١٥٥]؛ و قوله تعالى: وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً [سورة الأنعام: ٢٥]؛ و قوله تعالى: وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً [سورة المائدة: ١٣].
و قد حارت المعتزلة في هذه الآيات، و اضطربت لها آراؤهم، فذهبت طائفة من البصريين إلى حملها على تسمية الرب تعالى الكفرة بنبذ الكفر و الضلال؛ قالوا: فهذا معنى الطبع.
و لا خفاء بسقوط هذا الكلام، فإن الرب تعالى تمدح بهذه الآيات و أنبأ بها عن اقتهاره و اقتداره على ضمائر العباد و إسرارهم. و بين أن القلوب بحكمه يقلبها كيف يشاء، و صرح بذلك في قوله تعالى: وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [سورة الأنعام: ١١٠] الآية. فكيف يستجاز حمل هذه الآيات على تسمية و تلقيب؟ و كيف يسوغ ذلك للبيب؟ و الواحد منا لا يعجز عن التسميات و التلقيبات، فما وجه استيثار الرب بسلطانه؟
و حمل الجبائي و ابنه هذه الآيات على محمل بشيع مؤذن بقلة اكتراثهما بالدين، و ذلك أنهما قالا: من كفر و سم اللّه قلبه سمة يعلمها الملائكة، فإذا ختموا على القلوب تميزت لهم قلوب الكفار من أفئدة الأبرار. فهذا معنى الختم عندهما، و ما ذكراه مخالفة لنص الكتاب و فحوى الخطاب؛ فإن الآيات نصوص في أن اللّه تعالى يصرف بالطبع و الختم عن سنن الرشاد من أراد صرفه من العباد؛ قال اللّه تعالى: وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً [سورة الأنعام: ٢٥]، فاقتضت الآيات كون الأكنة مانعة من إدراك الإيمان. و السمة التي اخترعوا القول بها، لا تمنع من الإدراك.
و إلى متى نتعدى غرضنا في الاختصار، و قد وضح الحق و حصحص، و استبان عناد المخالفين في تأويلاتهم! و اللّه الموفق للصواب.
باب القول في الاستطاعة و حكمها
العبد قادر على كسبه، و قدرته ثابتة عليه. و ذهبت الجبرية إلى نفي القدرة، و زعموا أن ما