الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٨٧
ثم ما ذكروه ينعكس عليهم بما لا محيص لهم عنه. و ذلك أن حقيقة الحدوث لا تختلف، و هي أثر القدرة عند الخصم، و الصفات التي تختلف بها الحوادث ليست من آثار القدرة. فهلا قضوا بتعلق القدرة الحادثة بكل حادث، من حيث لا يختلف متعلق القدرة الحادثة و أثرها في جميعها!
شبهة أخرى لهم، و ذلك أنهم قالوا: العبد مثاب على فعله معاقب ملوم محمود، و كل ذلك دال على أن فعله واقع منه، إذ لا يحسن توبيخه و الثناء عليه بما لا يقع منه كألوانه و أجسامه. و هذا الذي ذكروه لا محصول له؛ فإن الثواب و العقاب و توابعهما من الذم و المدح لا يوجبها فعل المكلف عندنا. و لو ابتدأ الرب تعالى عبده بنعيم مقيم أو بعذاب أليم، لكان ذلك ممكنا غير مستحيل. و إنما أفعال العباد في أحكام الشرائع أعلام و آيات لأحكام اللّه تعالى، و لا بعد في نصب علم ليس هو واقعا بمن نصب العلم له. و سنقرر ذلك في باب الثواب و العقاب إن شاء اللّه عز و جل.
فصل
فإن قيل: إنما يتكلم على المذهب ردا و قبولا إذا كان معقولا، و ما اعتقدتموه من كون العبد مكتسبا غير معقول؛ فإن القدرة إذا لم تؤثر في مقدورها، و لم يقع المقدور بها، فلا معنى لتعلق القدرة. قلنا: قد اختلف أئمتنا في وجه تعلق القدرة الحادثة بمقدورها.
فصار صائرون إلى أن القدرة الحادثة تؤثر في إثبات حال للمقدور يتميز بها المكتسب عن الضروري. فإذا فرضنا حركة ضرورية إلى جهة، و قدرنا أخرى كسبية إلى تلك الجهة، فالكسبية على حالة زائدة هي من أثر تعلق القدرة الحادثة بها، و الكسبية تتميز بها عن الضرورية. و أما الحدوث، و إثبات الذوات، فالرب تعالى مستأثر بها.
و هذه الطريقة غير مرضية، و لا جريان لها على قواعد أهل الحق، و في المصير إليها افتتاح وجوه من الفساد يجب تنكّبها.
منها، أن العبد يستحيل أن ينفرد بمقدور دون الرب تعالى؛ فإن فرضنا للقدرة الحادثة أثرا، و حكمنا بثبوته للعبد، فقد حرمنا اعتقاد وجوب كون الرب قادرا على كل شيء مقدور. و يستحيل المصير إلى أن الحالة المفروضة تقع بالقدرة القديمة و الحادثة، فإن ذلك مستحيل، و لو ساغ فرضه لساغ تقدير خلق بين خالقين.
على أن صاحب هذه الطريقة يحيل معتقده على ادعاء حالة مجهولة لا يمكنه الإفصاح بها، مع قطعنا بأن الحركة الكسبية مماثلة للضرورية. و تقدير أحوال مجهولة حيد عن السداد، و تطريق لدواعي الفساد إلى أصول الاعتقاد.
فالوجه، القطع بأن القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها أصلا و ليس من شرط تعلق الصفة أن تؤثر في متعلقها؛ إذ العلم معقول تعلقه بالمعلوم مع أنه لا يؤثر فيه، و كذلك الإرادة المتعلقة بفعل