الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٨٣
و من المستحيل أن يكون الباري تعالى مالكا ما لا يقدر عليه، و إله ما لا يعد من مقدوراته، و لا بد لكل مخلوق من رب و مالك و إذا كان العبد خالقا لأفعال نفسه لزم أن يكون ربها و إلهها، من حيث استبد بالاقتدار عليها، و هذه عظيمة في الدين، لا يبوء بها موفّق. و قد دل عليه فحوى التنزيل، فإنه عز من قائل قال: إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ، وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ [سورة المؤمنون: ٩١].
و مما نتلقاه من هذه المآخذ أن نقول: خلق المعرفة و الطاعات و القربات، أحسن من خلق الأجسام و أعراضها التي ليست من قبيل الطاعات، فلو اتصف العبد بخلق المعارف لكان أحسن خلقا من ربه، و لكان أولى بإصلاح نفسه و إرشادها و إنقاذها من الغيّ و المعاطب من ربه. و من زعم أن العبد أصلح لنفسه من ربه، فقد راغم إجماع المسلمين و فارق الدين.
و إن قالوا: لو لا القدرة على الإيمان لما تمكن العبد من خلق الإيمان، فالقدرة إذا أصلح و أحسن؛ قلنا مضمون ذلك يلزم صاحب هذا المقال أن يجعل القدرة على الكفر شرا من الكفر، حيث إنه لا يتمكن منه إلا بها، و القدرة صالحة للضدين، و ليست بأحدهما أولى منها بالآخر؛ فلئن كان الرب تعالى مصلحا عبده بالاقتدار على الإيمان، فليكن مفسدا له بالتمكن من الكفر. و هذا القدر كاف في مقصودنا من مآخذ إطلاق الأمة.
فأما نصوص الكتاب، فمنها قوله تعالى: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [سورة الأنعام: ١٠٢] الآية. و الآية تقتضي تفرد الباري تعالى بخلق كل مخلوق، و الاستدلال بها يعتضد بأنّا نعلم أن فحواها يتضمن التمدح بالاختراع و الإبداع، و التفرد بخلق كل شيء؛ فلو كان غيره خالقا مبدعا لانتفى التمدح بالخلق المحمول على الخصوص، و لساغ للعبد أن يتمدح بأنه خالق كل شيء، و مراده أنه خالق لبعض المخلوقات.
فإن قالوا: هذا الذي تمسكتم به عموم، و للعلماء في الصيغ العامة مذهبان: أحدهما جحد اقتضاء الألفاظ للعموم، و الثاني القول بالعموم مع المصير إلى تعرضه للتأويل، و كل ظاهر متعرض لجهات الاحتمالات، فلا يسوغ التمسك به في القطعيات. قلنا: لم نتمسك بمحض الصيغة حتى أوضحنا اقترانها بإرادة التمدح، و بينا أن ذلك التمدح مفهوم من مقتضى الآية على قطع، و لا يستمر حمل الآية على الخصوص مع ما استيقناه من التمدح، و المفهوم و إن لم يستفد من مجرد الصيغ فهو متلقى من القرائن.
و على هذا الوجه يستدل بقوله تعالى: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ، قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [سورة الرعد: ١٦] الآية. و هذه الآية نص في محل النزاع. فإن قالوا:
هي متروكة الظاهر، و كذلك التي استدللتم بها قبل، فإن الظاهر في الآيتين يقتضي كون الرب تعالى خالق كل شيء، و اسم الشيء يطلق على القديم و الحادث. قلنا: المخاطب المتكلم في هذه المواضع لا يدخل تحت قضية الخطاب، و نظير ذلك قول القائل: «لا يلقاني خصم منطيق و لا جدل