الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٨٠
إثبات مقدور بين قادرين، فنقول لكم: الرب تعالى قبل أن أقدر عبده، و قبل أن اخترعه، هل كان موصوفا بالاقتدار على ما كان في معلومه أنه سيقدر عليه من يخترعه أم لا؟ فإن زعموا أنه تعالى لم يكن موصوفا بالاقتدار على ما سيقدر عليه العبد، فذلك ظاهر البطلان؛ فإن ما سيقدر عليه العبد عين مقدور اللّه تعالى، إذ هو من الجائزات الممكنات المتعلق بها قدرة العبد بعد في الصورة التي فرضنا السؤال عنها.
و إن كان يمتنع تعلق كون الباري تعالى قادرا بمقدور العبد، من حيث يستحيل عند الخصوم مقدور بين قادرين، فلا ينبغي أن يمتنع كون ما سيقدر عليه العبد مقدورا للّه تعالى قبل أن يقدر عليه العبد عنده، فإنه لم تتعلق به بعد القدرة الحادثة. و إذا وجب كون ما سيقدر عليه العبد مقدورا للّه تعالى قبل أن يقدر عبده عليه، فإذا أقدره استحال أن يخرج ما كان مقدورا للّه تعالى عن كونه مقدورا له.
و لو تناقض في معتقد المخالفين بقاؤه مقدورا للرب تعالى مع تجدد تعلق قدرة العبد به، فاستبقاء كونه مقدورا للرب تعالى، و انتفاء كونه مقدورا للعبد، أولى من انقطاع تعلق كون الرب تعالى قادرا عليه لتجدد كونه مقدورا للعبد.
و إذا ثبت وجوب كون مقدور العبد مقدورا للّه تعالى، فكل ما هو مقدور له، فإنه محدثه و خالقه، إذ من المستحيل أن ينفرد العبد باختراع ما هو مقدور للرب تعالى.
و مما تمسك به أئمتنا أن قالوا: الأفعال المحكمة دالة على علم مخترعها، و تصدر من العبد أفعال في غفلته و ذهوله، و هي على الاتساق و الانتظام، و صفة الإتقان و الإحكام، و العبد غير عالم بما يصدر منه، فيجب أن يكون الصادر منه دالا على علم مخترعه. و إنما يتقرر ذلك على مذهب أهل الحق، الصائرين إلى أن مخترع الأفعال الرب تعالى، و هو عالم بحقائقها.
و من ذهب إلى أن العبد مخترع أفعاله، و هو غير عالم بها في الصورة التي وضعنا الدلالة فيها، فقد أخرج الإتقان و الإحكام عن كونه دالا على المتقن المخترع، و ذلك نقض للدلالة العقلية.
ثم لو ساغ وقوع محكم و فاعله غير عالم به، ساغ أيضا بطلان دلالة الفعل على القادر؛ و ذلك ينساق القول به إلى بطلان دلالة الفعل على الفاعل.
فإن عكسوا علينا ما ذكرناه في الكسب، و قالوا: يجب كون المكتسب عالما بما يكتسبه، ثم يجوز أن يصدر منه القليل من الأفعال و إن كان ذاهلا غافلا.
قلنا: لا يجب عندنا في حكم العقل كون المكتسب عالما بما يكتسبه، ثم يجوز أن يصدر منه القليل، إذ لو وجب ذلك في الكثير من الأفعال لوجب في القليل منها.
فإن قالوا: يجوز على ما أصّلتموه صدور الأفعال الكثيرة من العبد من غير علمه بها، قلنا: هذا مما نجوزه في موجب العقل، و إنما يمتنع وقوعه لاطراد العادات، و لو انخرقت لما امتنع في جائزات العقول ما طالبتمونا به.