الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٧٣
تلك الحاسة اعتمادات توجب دفع الأشعة، فذلك بناء على فاسد أصلهم في التولد و هم غير مساعدين عليه. ثم عندهم أن الاعتمادات اللازمة تكون سفلية كاعتمادات الثقيل، و علوية، كاعتمادات لهيب النار إذا اضطرمت، فأما سائر الجهات فالاعتمادات فيها مجتلبة مكتسبة؛ و الناظر ليس بمجتلب اعتمادا على جهة، كما يجتلبه إذا حاول دفع ثقيل يمنة أو يسرة.
فإن قالوا: إنما ينبعث الشعاع بحركات الحدقة و الأجفان، فذلك محال، فإن من تصطلم أجفانه يرى إذا سكن حدقته، فإذا ثبت أنه ليس لانبعاث الأشعة موجب و إن عدّ من خلق اللّه، فيلزم أن يقدر جواز عدم خلقة، حتى يجوز أن يفتح الحي المدرك غير المئوف عينه و ترتفع الحواجز و لا يريد الرب تعالى انبعاث الشعاع و لا يرى إذ ذاك شيئا، و هو من أمحل المحال عند القوم.
و مما يصعب موقعه عليهم أن نقول: لئن كان الجوهر يرى لاتصال الشعاع به، فما بال لونه يرى و هو عرض، و قد رئي، و لا يجوز الاتصال بالأعراض.
فإن قالوا: إنما يرى ما يتصل به الشعاع، أو ما يقوم بما يتصل به الشعاع؛ فنقول: مفاد ذلك يلزمكم جواز رؤية الطعوم و الروائح، لأنها تقوم بما يتصل به الشعاع.
و نقول لهم أيضا: عندكم أن الجوهر الفرد لو مثل في سمت الشعاع لما رئي، و قد اتصل الشعاع على امتداده به، و لو قدرتنا انضمام جواهر إليه لما خصه من الشعاع إلا ما اتصل به إذا قدر فردا، و كل ذلك دال على بطلان انبعاث الأشعة من الناظر و اتصالها بالمرئيات.
و إذا استدلّ المخالفون، على ما اعتقدوه من انبعاث الأشعة من الناظر، و اتصالها بالمرئيات، بما قدمناه في صدر الفصل، و ما يستروحون إليه من ذكر القرب و البعد، و تعريج الأشعة و انعكاسها عن الأجسام الصقيلة، فليس في شيء مما ذكروه مستروح.
و إيجاز الجواب عن جميع ما يتمثلون به، أن نقول؛ لم ادّعيتم حمل ثبوت الرؤية تارة و انتفائها أخرى، على ظنونكم في انبعاث الأشعة و اتصالها؟ و بم تردون قول من يقول: كل ما تنفونه و تثبتونه يرجع إلى استمرار العادات على قضية أرادها اللّه عليها، و سبيلها كسبيل استعقاب الأكل و الشرب، الشبع، و الرّيّ، و إن لم يكونا موجبين لهما؟ و لو انخرقت العادة الجارية، لجاز رؤية البعيد المفرط البعد، و القريب المتداني.
و يجوز أيضا رؤية ما وراء الحجاب، و إذا طولبوا بذلك لم يرجعوا إلا إلى استبعاد محض لا محصول له، و الوجه معارضتهم بكل ما يوافقون على أنه موجب العادات المستمرة.
فصل
الإدراكات خمسة: أحدها البصر المتعلق بقبيل المرئيات، و الثاني السمع المتعلق بالأصوات،