الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٦٩
و مما يسأل عنه قوله تعالى: وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [سورة الفجر: ٢٢]، و كذلك قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ [سورة البقرة: ٢١٠]؛ و ليس المعنيّ بالمجيء الانتقال و الزوال، تعالى اللّه عن ذلك؛ بل المعنيّ بقوله: «وَ جاءَ رَبُّكَ»، أي جاء أمر ربك و قضاؤه الفصل و حكمه العدل.
و من شائع الكلام التعبير عن الأمر بذي الأمر في إرادة التعظيم؛ إذ يقال: إذا جاء الأمير بطل من سواه، و ليس الغرض انتقاله، بل المراد اتصال نوافذ أوامره و زواجره. و إذا كان للتأويل مجال رحب، و للإمكان مجرى سهب، فلا معنى لحمل الآية على ما يقتضي تثبيت دلالات الحدث.
و مما يجب الاعتناء به معارضة الحشوية بآيات يوافقون على تأويلها، حتى إذا سلكوا مسلك التأويل، عورضوا بذلك السبيل فيما فيه التنازع؛ فمما يعارضون به قوله تعالى: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [سورة الحديد: ٤] فإن راموا إجراء ذلك على الظاهر، حلوا عقد إصرارهم في حمل الاستواء على العرش على الكون عليه، و التزموا فضائح لا يبوء بها عاقل. و إن حملوا قوله: «هو معكم أينما كنتم»، و قوله: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ [سورة المجادلة: ٧]، على الإحاطة بالخفيات، فقد تسوغوا التأويل، و هذا القدر في ظواهر القرآن كاف.
و أما الأحاديث التي يتمسكون بها، فآحاد لا تفضي إلى العلم، و لو أضربنا عن جميعها لكان سائغا، لكنا نومئ إلى تأويل ما دون منها في الصحاح. فمنها حديث النزول، و هو ما روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «ينزل اللّه تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة جمعة و يقول: هل من تائب فأتوب عليه؟
هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيب له؟» [١] الحديث. و لا وجه لحمل النزول على التحول، و تفريغ مكان و شغل غيره، فإن ذلك من صفات الأجسام و نعوت الأجرام. و تجويز ذلك يؤدي إلى طرفي نقيض، أحدهما الحكم بحدوث الإله، و الثاني القدح في الدليل على حدوث الأجسام.
و الوجه حمل النزول، و إن كان مضافا إلى اللّه تعالى، على نزول ملائكته المقربين، و ذلك سائغ غير بعيد. و نظير ذلك قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ [سورة المائدة: ٣٣]، معناه إنما جزاء الذين يحاربون أولياء اللّه، و لا يبعد حذف المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه تخصيصا.
و مما يتجه في تأويل الحديث أن يحمل النزول على إسباغ اللّه نعماءه على عباده مع تماديهم في العدوان و إصرارهم على العصيان، و ذهولهم في الليالي عن تدبر آيات اللّه تعالى، و تذكر ما هم بصدده من أمر الآخرة. و قد يطلق النزول في حق الواحد منا على إرادة التواضع؛ فيقال: نزل الملك عن كبريائه إلى الدرجة الدنيا، إذا حلم على رعيته، و انحط عن سطوته، مع تمكنه من تشديد الوطأة عليهم.
و من الدليل على أن النزول ليس من شرطه الانتقال، إطلاق النزول مضافا إلى القرآن، مع العلم باستحالة انتقال الكلام كما سبق.
[١] رواه أحمد في مسنده (٣/ ٣٤، ٤٣، ٩٤).