الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٦١
ثم قد يرد الاسم، و المراد به التسمية، و قد ترد الصفة، و المراد بها الوصف، و لا يبلغ الكلام في ذلك مبلغ القطع.
و ذهبت المعتزلة إلى التسوية بين الاسم و التسمية، و الوصف و الصفة، و التزموا على ذلك بدعة شنعاء، فقالوا: لو لم تكن للباري في الأزل صفة و لا اسم، فإن الاسم و الصفة أقوال المسمين و الواصفين، و لم يكن في الأزل قول عندهم و من زعم أنه لم يكن لربه تعالى في أزله صفة الألوهية، فقد فارق الدين، و راغم إجماع المسلمين.
ثم الدليل على أن الاسم يفارق التسمية، و يراد به المسمى، آي من كتاب اللّه تعالى؛ منها قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى سورة الأعلى: ١، و انما المسبح وجود الباري تعالى دون ألفاظ الذاكرين و قال عزّ و جلّ: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [سورة الرحمن: ٧٨]؛ و قال تعالى: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ [سورة يوسف: ٤٠].
و معلوم أن عبدة الأصنام ما عبدوا اللفظ و الكلام، و إنما عبدوا المسميات لا التسميات.
فإن قيل: أطلق المسلمون القول بأن للّه تعالى تسعة و تسعين اسما؛ فلو كان الاسم هو المسمى، لكان ذلك حكما بتعدد الآلهة.
و لنا في جواب ذلك مسلكان: أحدهما، أن نقول قد يراد بالاسم التسمية، و هذا مما لا ننكره، فيحمل الإطلاق في الأسماء على المسميات.
و الوجه الثاني، أن كل اسم دل على فعل فهو اسم، فالأسماء هي الأفعال، و هي متعدّدة؛ و ما دلّ على الصفات القديمة، لم يبعد فيه التعدد؛ و ما دل على الصفات النفسية، و هي الأحوال فلا يبعد أيضا تعددها.
فصل
ما ورد الشرع بإطلاقه في أسماء اللّه تعالى و صفاته أطلقناه؛ و ما منع الشرع من إطلاقه، منعناه، و ما لم يرد فيه إذن و لا منع لم نقض فيه بتحليل و لا تحريم؛ فإن الأحكام الشرعية تتلقى من موارد السمع؛ و لو قضينا بتحليل أو تحريم من غير شرع، لكنا مثبتين حكما دون السمع.
ثم لا نشترط في جواز الإطلاق، ورود ما يقطع به في الشرع، و لكن ما يقتضي العمل- و إن لم يوجب العلم- فهو كاف. غير أن الأقيسة الشرعية من مقتضيات العمل، و لا يجوز التمسك بها في تسمية الرب و وصفه، فاعلم.