الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٥٦
و أصلهم أن الأصوات، على تقطّعها و تواليها، كانت ثابتة في الأزل، قائمة بذات الباري، تعالى اللّه عن قولهم علوّا كبيرا. و قواعد مذهبهم مبنية على جحد الضرورات؛ فإنهم أثبتوا للكلام القديم على زعمهم ابتداء و انتهاء، و جعلوا منه سابقا و مسبوقا، فإن الحرف الثاني من كل كلمة مسبوق بالمتقدم عليه، و كل مسبوق مبتدأ وجوده، و باضطرار نعلم كون المفتتح وجوده حادثا.
و لا خفاء بمراغمتهم لبديهة العقول في حكمهم، بانقلاب الحادث قديما.
و مما يقرر افتضاحهم في مناكرة الحقائق، أن الحروف لو مثّلت من بعض الجواهر فهي عين كلام اللّه تعالى عندهم، و الحديد الذي صيغت منه الحروف خارج عن كونه حديدا، و نحن ندرك زبر الحديد متآلفة جسما، فكيف تسوغ محاجة قوم هذه غايتهم؟!
ثم جهلتهم يصممون على أن اسم اللّه إذا كتب، فالرقم المرئي في الكتابة هو الإله بعينه، و هو المعبود الذي يصمد إليه.
ثم أصلهم أن الكلام القديم يحل الأجسام و لا يفارق الذات، و هذا تلاعب بالدين، و انسلال عن ربقة المسلمين، و مضاهاة لنصّ مذهب النصارى في مصيرهم إلى قيام الكلمة بالمسيح، و تدرّعها بالناسوت. و لو لا اغترار كثير من العوام بالاعتزاء إلى هؤلاء، لاقتضى الحال الإضراب عن التعرض لهذه العورات البادية، و الفضائح المتمادية.
فصل
القراءة عند أهل الحق أصوات القراء و نغماتهم، و هي أكسابهم التي يؤمرون بها في حال إيجابا في بعض العبادات، و ندبا في كثير من الأوقات؛ و يزجرون عنها إذا أجنبوا، و يثابون عليها و يعاقبون على تركها، و هذا مما أجمع عليه المسلمون، و نطقت به الآثار، و دل عليه المستفيض من الأخبار.
و لا يتعلق الثواب و العقاب، إلا بما هو من اكتساب العباد. و يستحيل ارتباط التكليف و الترغيب و التعنيف بصفة أزلية، خارجة عن الممكنات و قبيل المقدورات.
و القراءة هي التي تستطاب من قارئ، و تستبشع من آخر، و هي الملحونة، و القويمة المستقيمة، و تتنزه عن كل ما ذكرناه الصفة القديمة؛ و لا يخطر لمن لازم الإنصاف أن الأصوات التي يبح لها حلقه، و تنتفخ على مستقرّ العادة منها أوداجه، و يقع على حسب الإيثار و الاختيار، محرفا، و قويما، و جهوريا، و خفيا نفس كلام اللّه تعالى، فهذا القول في القراءة.
فصل
فأما المقروء بالقراءة فهو المفهوم منها المعلوم، و هو الكلام القديم الذي تدل عليه العبارات، و ليس منها.