الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٥٠
مصدودون أولا عن إثبات المعجزات، و التوصل إلى العلم بوجوهها، الدالة على صدق المتحدين بها، على ما سنذكر ذلك، إن شاء اللّه تعالى في المعجزات.
ثم نقول: لا يستمرّ لكم ما استمرّ لنا؛ فإذا قلنا عند محاولة إثبات ما رمناه من تصديق الملك، و تصدره بمنصبه في موعد معلوم، و قد احتفّ به المختصون بخدمته، من حاشيته، ثم ادّعى من جملة الحاضرين مدّع أنه رسول الملك إلى من شهد و غاب، و ذلك بمرأى من الملك و مسمع، و استشهد في هذه الحالة على إثبات الرسالة، بأمر يصدر من الملك، خارق للمألوف من عادته، فأجابه الملك إلى مناه و وافق دعواه، فيدل ذلك على تصديق الملك إياه بقوله في نفسه، و الفعل الظاهر مترجم عنه، نازل منزلة العبارات المصطلح عليها في إفهام المعاني.
فهذه سبيلنا، و لا يستتب ذلك للمعتزلة، فإن المعنى بكون الباري تعالى متكلما عندهم، أنه فاعل الكلام. و ليس في ظهور الآيات ما يدلّ على أنّ الباري تعالى خلق أصواتا متقطعة في بعض الأجسام، و هي الكلام، و إنما ترتبط المعجزات بتصديق مظهرها، إذا كان التصديق صفته، و كان المصدّق متصفا به على التحقيق، و ليس ترجع من الفعل صفة حقيقية إلى الفاعل، فلا تكون المعجزات دالة على ثبوت الكلام.
و الذي يوضح غرضنا في ذلك، أنا بينا بالبراهين أن المصدق لا يكون مصدقا لفعله التصديق، إذ التصديق من أقسام الكلام.
و قد ذكرنا عموما بطلان مذهب من يقول: المتكلم من فعل الكلام، و ذلك يحتوي على التصديق، فإنه من الكلام.
فإذا بطل كون الباري تعالى مصدقا للرسل بقول على مذاهب المعتزلة، و وجه دلالة المعجزة على صدق الأنبياء و نزولها منزلة التصديق بالقول فعند ذلك يتضح بطلان وجه دلالة المعجزات على فساد عقائدهم و متناقض قواعدهم، و في بطلان المعجزات انحسام السبيل المفضية بسالكها إلى إثبات القول، و كذلك يفعل اللّه بكل جاحد مرتاب، فهذه طلبة عليهم قبل الخوض في مقصود المسألة.
و مما يطالبون به أن نقول: بم تنكرون على من يزعم أنه تعالى متكلم لنفسه، كما أنه عندكم حيّ، عالم، قادر لنفسه، و يلزمون ذلك في كونه تعالى مريدا لنفسه؟ فإن قالوا: يمتنع كونه تعالى مريدا، متكلما لنفسه، من حيث أن الصفة الثابتة للنفس يجب أن يعم تعلقها إذا كانت متعلقة بسائر المتعلقات، و لذلك وجب كونه عالما بكل المعلومات، إذ كان عالما لنفسه، و هذا الذي ذكروه دعوى عريّة. و للمطالب أن يقول: إن الرّبّ تعالى مريد لنفسه لبعض المرادات دون بعض، و هذا بمثابة الاختصاص للإرادة الحادثة بمتعلقها.
فلو قال قائل: لم اختصت الإرادة بمتعلقها، و هلا تعدته إلى ما عداه؟ فمن جواب المحققين