الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٤٩
المتكلم فقد نقض المصير إلى أن المتكلم من فعل الكلام، فإن الكلام من فعل اللّه في الصورة المفروضة؛ و إن زعم أن محل الكلام أو الجملة التي محل الكلام منها ليست بمتكلمة، فقد عاند و جحد ما يداني البداية؛ فإنا نسمع من قام به الكلام يقول: قد قمت اليوم إلى زيد، كما كنا نسمعه يقول ذلك، إذ هو مختار.
و لو بنينا غرضنا من هذا الفصل على أصلنا في استبداد الرب سبحانه بالخلق، و استحالة كون غيره موجدا؛ فيتضح على هذا الأصل بطلان المصير إلى أن الباري تعالى إنما كان متكلما من حيث كان فاعلا للكلام، إذ هو فاعل كلام المحدثين و ليس متكلما به.
و يتضح الإلزام على البخارية: فإنهم يوافقون أهل الحق في أن الرب تعالى خالق أعمال العباد، فلا يستمر لهم، و هذا معتقدهم، القول بأن المتكلم من فعل الكلام. ثم الكلام على مذهب المخالفين أصوات، فلئن كان المتكلم من فعل الكلام، فليكن المصوت من فعل الصوت. و يلزم من سياق ذلك كون الباري تعالى عن قول الزائغين، مصوتا من حيث كان فاعلا للصوت.
و إذا بطل بهذه القواطع مذهب من يقول المتكلم من فعل الكلام فلا بد من اختصاص الكلام بالمتكلم على وجه من الوجوه. فإذا انتقض وجه الفعل فلا يبقى على السبر و التقسيم، بعد بطلان ما ذكرناه إلا ما ارتضيناه من أن المتكلم من قام به الكلام. ثم ثبوت هذا الأصل يفضي إلى أن الكلام يوجب حكما لمحله و هو كونه متكلما؛ فإن كل صفة قامت بمحل أوجبت له حكما.
فهذه مقدمات كافية لغرضنا في الرد على المخالفين: ثم نوجه عليهم طلبات قبل الخوض في مقصود المسألة، تقول: الكلام في تفاصيل «الكلام» فرع لثبوت كون الباري تعالى متكلما، فبم ينكرون على من يزعم أنه ليس بمتكلم أصلا؟.
فإن زعموا أن المتكلم: من فعل الكلام، و الباري سبحانه و تعالى مقتدر على خلق الكلام و إبداعه.
قلنا: قد أبطلنا عليكم ذهابكم إلى أن المتكلم: من فعل الكلام بالطرق المتقدمة؛ ثم ما ذكرتموه اكتفاء منكم بأن الكلام مقدور للباري، فلم زعمتم أن مقدوره قد وقع، و ليس كل ما يقضي العقل بكونه مقدرا للباري تعالى يجب كونه واقعا، إذ ذاك يؤدي إلى وقوع ما لا يتناهى من الحوادث من حيث كانت المقدورات غير متناهية؟
فإن قالوا: إنما عرفنا وقوع الكلام، و اتصافه تعالى بكونه متكلما، بالمعجزات، و الآيات الخارقة للعادات، الدالة على صدق مدعي النبوّات؛ ثم الأنبياء أخبروا عن كلام اللّه تعالى و وقوعه، و هم: المصدقون و المؤيدون بالآيات المحققة، و البراهين المصدقة؛ و عضدوا كلامهم هذا بأن قالوا: قد أسندتم العلم بنفي النقائص إلى السمع، ثم بنيتم إثبات كلام اللّه تعالى على المعجزات، فبم تنكرون على من يسلك مسلككم في ذلك؟ قلنا: خصومنا من المعتزلة، و من انتحى نحوهم،