الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٤٦
صحيحة، و هذا باطل؛ إذ الحدّ ما يحوي آحاد محدود، و الحرف الواحد قد يكون كلاما مفيدا، فإنك إذا أمرت من «وقى» و «وشى» قلت «ق» و «ش»، و هذا كلام و ليس بحروف و أصوات.
فإن قيل: الحرف الواحد لا ينطق به، بل إن جرّد الأمر من هذه الأدوات وصل بهاء الاستراحة، فقيل «قه» و «شه»، فلم يستقلّ الحرف الواحد بنفسه، و هذا لا ينجيهم عما أريد بهم، فإن «ق» في درج الكلام، و وصله كلام، و هو حرف واحد، و إنما غرضنا إيضاح ذلك.
ثم لا معنى للتقييد بالإفادة، فإن من لفظ بكلمات لا تفيد، يقال: تكلم و لم يفد، فلا معنى للتقييد بالإفادة.
ثم نقول: الحروف أنفس الأصوات، فلا معنى لتكررها، و الحدود يتوقى فيها التكرير الذي لا يفيد.
فإذا قالوا: الكلام أصوات مقطعة، و حروف منتظمة، فتقديره الكلام أصوات و أصوات، و إذا حذفوا الحروف، قيل لهم: الأصوات المقطعة لا تفيد لأنفسها ما لم يصطلح على نصبها أدلة، فإن ارتضيتم ذلك و اكتفيتم به لزمكم على مساقه تسمية نقرات على أوتار مصطلح عليها كلاما، و هذا القدر كاف في تتبع حدهم.
فإن قال قائل: ما حد الكلام عندكم؟ قلنا: من أئمتنا من يمتنع من تحديد الكلام، و نبينه بالتفصيل كما سنوضحه عند ذكرنا ماهية الكلام.
و جملة المعلومات لا تضبطها الحدود؛ بل منها ما يحد، و منها ما لا يحد؛ كما أن منها ما يعلل، و منها ما لا يعلل.
و قال شيخنا رحمه اللّه: الكلام ما أوجب لمحله كونه متكلما و هذا فيه نظر عندنا.
و الأولى، أن نقول: الكلام هو القول القائم بالنفس، و إن رمنا تفصيلا، فهو القول القائم بالنفس، الذي تدل عليه العبارات و ما يصطلح عليه من الإشارات.
فصل
قد أنكرت المعتزلة الكلام القائم بالنفس، و زعموا أن الكلام: هو الأصوات المتقطعة، و الحروف المنتظمة، و نصوا كلاما قائما بالنفس سوى العبارات الآئلة إلى الحروف و الأصوات.
و ربما يثبت ابن الجبائي كلام النفس، و يسميه الخواطر، و يزعم أن تلك الخواطر يسمعها و يدركها بحاسة السمع. و ذهب الجبائي إلى أن الأصوات المتقطعة على مخارج الحروف ليست بكلام، و إنما الكلام الحروف المقارنة للأصوات، و هي ليست بأصوات و لكنها تسمع إذا سمعت الأصوات.