الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٤٤
قائمة بذات الباري تعالى؛ فإن زعم أنها ثابتة في غير محل، ردّ عليه بما رد على مثبتي الإرادات الحادثة في غير محل و إن زعم أنها تقوم بذات الرب، كان الرد عليه كالرد على الكرامية الصائرين إلى أن الحوادث تقوم بذات الرب سبحانه و تعالى عن قولهم و إن زعم أنها تقوم بأجسام، لزم أن يجوّز قيام علم بجسم و المتصف بحكمه جسم آخر، طردا لما يجوزه من قيام العلم بجسم مع رجوع حكمه إلى اللّه تعالى. فإذا بطلت الأقسام، و لا مزيد عليها، أذن بطلانها بفساد المذهب المنقسم إليها.
فإن قيل: الباري سبحانه كان عالما في أزله بأن العالم سيقع، فلما وقع فيما لا يزال كان ذلك معلوما متجددا، و يتصف الباري تعالى عند وقوع العالم بكونه عالما بوقوعه؛ و إذا تجدد له حكم و اتصاف اقتضى ذلك تجدد موجب للحكم و مقتض له، و ذلك يقضي بالعلوم المتجددة.
قلنا لا يتجدد للباري سبحانه و تعالى حكم لم يكن، و لا تتعاقب عليه الأحوال، إذ يلزم من تعاقبها ما يلزم من تعاقب الحوادث على الجواهر؛ بل الباري تعالى متصف بعلم واحد، متعلق بما لم يزل، و لا يزال، و هو يوجب له حكم الإحاطة بالمعلومات على تفاصيلها، و لا يتعدد علمه بتعدد المعلومات، و إن كانت العلوم الحادثة تتعدد بتعدد المعلومات.
ثم كما لا يتعدد إذا تعددت المعلومات، فكذلك لا يتجدد إذا تجددت.
و الذي يوضح الحق في ذلك؛ أن من اعتقد بقاء العلم الحادث، ثم صور علما متعلقا بأن سيقدم زيد غدا، و قرر استمرار العلم بتوقع قدومه إلى قدومه، فإذا قدم لم يفتقر إلى علم متجدد بوقوع قدومه، إذ قد سبق له العلم بقدومه في الوقت المعين.
و آية ذلك أنا لو قدرنا اعتقاد دوام العلم كما صورناه، و لم نفرض عند وقوع القدوم علما آخر سوى ما قدمنا دوامه، و قلنا لا يتعلق العلم السابق بالوقوع، للزم كونه جاهلا بالوقوع في وقته أو غافلا عنه مع تقدير دوام العلم بالقدوم المرقوب في الوقت المعين، و ذلك باطل على الضرورة.
و ليس من معتقدنا المصير إلى بقاء العلوم الحادثة، و لكن الأدلة العقلية تبني على الحقائق مرة، و على تقدير اعتقادات أخرى، فإذا لم يلزم شاهدا تجدد علوم عند تجدد المعلومات في حق من سبق له العلم بوقوعها في الاستقبال، فلأن لا يلزم ذلك في حق الباري تعالى أولى فافهم.
فصل
الباري سبحانه و تعالى متكلم، آمر، ناه مخبر، واعد، متواعد. و قد قدمنا في خلال إثبات أحكام الصفات المعنوية، الطريق إلى إثبات العلم بكون الرب تعالى متكلم عند إسنادنا نفي النقائص إلى السمع، و توجيهنا على أنفسنا السؤال عما يثبت للسمع.
فإذا وضح كون الباري تعالى متكلما، فقد آن أن نتكلم في صفة كلامه.