الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ٣٢
و نحن نورد الآن وجها واحدا منها، و هو أن الإحكام في فعل الباري تعالى دلالة على كونه عالما عندهم، و أثبتوا أفعالا محكمة شاهدا مخترعة للعبد على زعمهم، و هي صادرة منه مع غفلته عنها لذهوله عن معظم صفاتها، فإذا ساغ لهم نقد دلالة الأحكام لم تستمر لهم مطالبة الكعبي، لما مهدناه من السبيل في لزوم طرد الدليل، و هذا القدر كاف في الرد على الكعبي.
و أما وجه الرد على النجار و أتباعه، فهو أن نقول: قولكم إن الباري سبحانه مريد لنفسه، منقسم عليكم؛ فإن أردتم بذلك كونه مريدا قاصدا على التحقيق، كما نعتّموه بكونه عالما لنفسه، فسيأتي الرد عليكم و على إخوانكم، إذا نجز غرضنا من إثبات العلم بأحكام الصفات.
و لا وجه في الرد عليهم إن سلكوا هذا المسلك، إلا التمسك بالطرق الدالة على العلم، و القدرة، و الحياة.
و قد حاولت المعتزلة طرقا في منع كون الباري تعالى مريدا لنفسه كلها باطلة، و سنشير إلى الغرض منها عند ردنا على البصريين.
فإن زعمت النجارية أن المعنى بكون مريدا لنفسه أنه غير مغلوب و لا مستكره، فيقال لهم: قد فسرتم الإثبات بالنفي، فإن نفي الغلبة و الاستكراه يتضمن إثبات حكم صفة. ثم هم مساعدون على نفي الغلبة و الاستكراه، و مطالبون بعد هذه الموافقة بأن يثبتوا كون الإله قاصدا إلى فعله؛ فإن تمنعوا من ذلك ألزموا ما ألزم الكعبي على ما قدمناه حرفا حرفا، و مآل هذا المذهب يرجع إلى نفي حكم الإرادة.
و قد ألزم النجارية على أصلهم مناقضات. فقيل لهم: إن كان المريد هو الذي لا يغلب و لا يستكره، فليكن الباري مريدا لنفسه من حيث إنه غير مغلوب فيها و لا مستكره عليها.
و أما البصريون، فالكلام عليهم في فصلين: أحدهما في وصفهم الباري تعالى بكونه مريدا، و الثاني في حكمهم بحدوث إرادته.
فنقول أولا: ما دليلكم على كون الباري تعالى مريدا؟ فإن زعموا أن الدليل على ذلك اختصاص الحوادث بأوقاتها و صفاتها، بطل عليهم دليلهم بالإرادات الحادثة التي أثبتوها، و زعموا أنها غير مرادة، فإنها حادثة مختصة بأوقاتها، و هي غير مرادة. فإن قالوا: الإرادة يراد بها و لا تراد هي في نفسها، و ربما يضربون أمثالا يموهون بها؛ و يقولون: بعض المحسوسات يشتهى، و الشهوة لا تشتهى؛ و الأمر المطلوب يتمنى، و التمني لا يتمنى؛ و كذلك الإرادة لا تراد و يراد بها، و هذا الذي ذكروه دعوى عرية عن البرهان؛ فإن من جمع بين مختلف فيه و متفق عليه، احتاج إلى نصب دليل قاطع على وجوب الجمع بينهما، ثم لا يسلم ما قالوه من معارضة تخالفه.
فلو قال قائل: العلم يعلم به و لا يعلم في نفسه، جريا على ما مهدوه، و قياسا على الشهوة و التمني، لكان الكلام عليه كالكلام عليهم.