الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٧٠
و خور طبيعة عن ضرب الرقاب و التنكيل بمستوجبي الحدود. و يجمع ما ذكرناه الكفاية، و هي مشروطة إجماعا.
و من شرائطها عند أصحابنا، أن يكون الإمام من قريش إذ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم: «الأئمة من قريش» [١]، و قال: «قدموا قريشا و لا تقدموها». و هذا مما يخالف فيه بعض الناس، و للاحتمال فيه عندي مجال، و اللّه أعلم بالصواب.
و لا خفاء باشتراط حرية الإمام و إسلامه. و أجمعوا أن المرأة لا يجوز أن تكون إماما، و إن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما يجوز شهادتها فيه.
باب القول في إثبات إمامة أبي بكر و عمر و عثمان و علي رضي اللّه عنهم أجمعين
أما إمامة أبي بكر رضي اللّه عنه فقد ثبتت بإجماع الصحابة فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة و الانقياد لحكمه، و استوى في ذلك من يعتزي الروافض إلى التكذب عليه و غيرهم؛ فإن أبا ذرّ، و عمارا، و صهيبا، و غيرهم، من الذين كانوا لا تأخذهم في اللّه لومة لائم، اندرجوا تحت الطاعة على بكرة أبيهم. و كان علي رضي اللّه عنه مطيعا له، سامعا لأمره، ناهضا إلى غزوة بني حنيفة، متسرّيا بالجارية المغنومة من مغنمهم.
و ما تخرص به الروافض، من إبداء على شراسا و شماسا في عقد البيعة له، كذب صريح. نعم لم يكن رضي اللّه عنه في السقيفة؛ و كان مستخليا بنفسه، قد استفزه الحزن على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم. ثم دخل فيما دخل الناس فيه، و بايع أبا بكر على ملأ من الإشهاد.
فإن قيل: دلّوا على كونه مستجمعا لشرائط الإمامة. قلنا: في ذلك مسلكان: أحدهما الاجتزاء بالإجماع على إمامته، و لو لم يكن صالحا لها، لما أجمعوا على اتصافه بها؛ ثم إن فصلنا، و هي الطريقة الثانية، قلنا: من شرائط الإمامة عند أقوام كون الإمام من قريش. و قد كان رضي اللّه عنه من صميمها. و من شرائطها العلم و نحن على اضطرار نعلم أنه كان من أحبار الصحابة و مفتيهم، لا ينكر عليه أحد في تصديه للتحليل و التحريم. و أما الورع فنقطع به في زمن النبي صلى اللّه عليه و سلّم، و يعلم دوامه، إذ لم يثبت قادح فيه مقطوع به، و إجماع الصحابة على إمامته مع تشميرهم للبحث عن الدين أصدق آية على ورعه؛ و ورعه نقل إلينا نقل جود حاتم، و شجاعة عمرو بن معدي كرب، و غيرهما، فلا معنى للمماراة فيه؛ و أما شهامته و كفايته، فقد شهدت بها عليه أثاره، و دلت عليها سيرته.
[١] رواه أحمد في مسنده (٣/ ١٢٩، ١٨٣) (٤/ ٤٢١).