الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٦٣
فإن قيل: لو أطاع العبد ثم ندم على الطاعة، فما قولكم فيه؟ قلنا: لا يتصور من العارف باللَّه تعالى أن يندم على طاعته؛ فإن ندم على أمر يرجع إلى نفسه من مضرة لحقته فلا بعد فيه؛ و إنما الذي قلناه الندم على الطاعة من حيث كانت طاعة.
و غرضنا بهذه المقدمة أن القاضي رحمه اللّه أوجب تجديد الندم كما تقدم. ثم قال: إن لم يجدد ندما، كان ذلك معصية جديدة؛ و التوبة الأولى مضت على صحتها، إذ العبادة الماضية لا ينقضها شيء بعد تصرمها. ثم قال: يجب تجديد ندم على تلك السيئة، و يجب ندم على ترك الندم وقت حكمنا بوجوبه، فهذا قوله.
و عندي أن ذلك من مسائل الاحتمال، و التوبة من العبادات. و لا يجب أن يكون جميع الكلام فيه قطعيا، بل لا يبعد أن يقع فيه مجتهد فيه.
فصل
الكافر إذا آمن باللَّه تعالى، فليس إيمانه توبة عن كفره، و إنما ندم على كفره. فإن قيل: فلو آمن و لم يندم على كفره؟ قلنا: ذلك عندنا غير ممكن، بل يجب مقارنة الإيمان الندم على الكفر. ثم وزر الكفر ينحط بالإيمان و الندم على الكفر إجماعا، و هذا موضع قطع؛ و ما عداه، من ضروب التوبة، فقبوله مظنون غير مقطوع به كما ذكرناه.
فصل
من تاب و صحت توبته، ثم عاود الذنب فالتوبة الماضية صحيحة، و الغرض مما ذكرناه أن تعلموا أن التوبة عبادة من العبادات يقضى بصحتها و فسادها. فإذا سيقت على شرائطها، لم يقدح في صحتها ما يقع بعد مضيّها، و على معاود الذنب تجديد التوبة؛ ثم هذه التوبة عبادة أخرى سوى التي ذكرناها. فهذه أصول التوبة ذكرناها و لا يشذ منها مقصد يليق بالمعتقدات.
القول في الإمامة
الكلام في هذا الباب ليس من أصول الاعتقاد، و الخطر على من يزل فيه يربى على الخطر على من يجهل أصله و يعتوره نوعان محظوران عند ذوي الحجاج، أحدهما ميل كل فئة إلى التعصب و تعدي حد الحق، و الثاني من المجتهدات المحتملات التي لا مجال للقطعيات فيها. و قد صنف القاضي و غيره من أئمتنا، رضي اللّه عنه و عنهم، كتبا مبسوطة في الإمامة، و فيها مقنع للمستبصر، و إرشاد بالغ لمن يروم الغاية و درك النهاية.
و غرضنا في هذا المعتقد، أن ننص على أصول الباب، فنذكر القواطع منها، و نميز