الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٥٤
عن مستحقه، مع التمكن من أدائه و إيفائه، و مطل الغنى ظلم على لسان صاحب الشرع.
و تعتضد هذه الطلبة، بأن العقاب قد يتنجز منه شيء في دار الدنيا، إذ الحدود المقامة على مستحقيها عقاب لهم إجماعا. فإذا لم يبعد تنجز شيء من العقاب، فما المانع من حمل بعض النعم على جهة الثواب، و إن تنجزت في الدنيا؟
فصل
ذهبت الخوارج إلى أن من قارف ذنبا واحدا، و لم يوفق للتوبة، حبط عمله و مات مستوجبا للخلود في العذاب الأليم. و صاروا إلى أنه يتصف بكونه كافرا، إذا اجترم ذنبا واحدا. و صارت الأباضية [١] منهم إلى أنه يتصف بالكفر المأخوذ من كفران النعم، و لا يتصف بالكفر الذي هو الشرك.
و ذهبت الأزارقة [٢] منهم إلى أن العاصي كافر باللّه تعالى كفر شرك.
و المعتزلة وافقوا الخوارج في المصير إلى استحقاق الخلود، على ما سنفصل مذهبهم.
و لكنهم فارقوا الخوارج من وجهين: أحدهما أنهم لم يصفوا مرتكب الكبيرة بالكفر، و لم يصفوه أيضا بالإيمان، و زعموا أنه على منزلة بين المنزلتين، و رسموه فيها بكونه فاسقا. و فارقوهم من وجه آخر، فقالوا: استحقاق الخلود في العقاب يختص بالكبائر، و جملة الذنوب كبائر عند الخوارج، و المعتزلة قسموا الذنب إلى الصغائر و الكبائر على ما سنعقد فيه فصلا.
و غرضنا الآن الرد على أصحاب الوعيد، فنقول: من أصلكم أن الوعيد على التأبيد يستحق بزلة واحدة و يحبط لأجلها ثواب الطاعات؛ و ذلك، مع تسليم فاسد أصولكم، في العقول مستحيل، فإن مرجع العقول و مداركها إلى أمثلة الشاهد. و نحن نعلم أن من خدم غيره و بلغ جهده دائما في رعاية حقه مائة سنة فصاعدا، ثم بدرت منه بادرة واحدة، فليس يحسن إحباط جميع حسناته بسيئة واحدة، و إن كان الثواب و العقاب متنافيين، فليس الثواب بأن يحط و يحبط بأولى من العقاب، بأن يسقط، و الشرع يدل على درء السيئات بالحسنات؛ فإحباط العقاب أحق، و قد قال اللّه تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [سورة هود: ١١٤].
[١] إمامهم عبد اللّه بن إباض، أحد بني مرة بن عبيد من بني تميم، افترقوا فرقا كثيرة اتفقوا. على أن مخالفيهم ليسوا مؤمنين و لا مشركين و لكنهم كفار، و حرموا دماءهم في السر و استحلوها في العلانية، انظر الفرق بين الفرق.
[٢] إمامهم نافع بن الأزرق الحنفي المكنّى بأبي راشد، و لم تكن للخوارج قط فرقة أكثر عددا و لا أشد منهم شوكة، كانوا يرون بأن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون و كذلك القعدة عن الهجرة إليهم و إن كانوا على رأيهم. انظر الفرق بين الفرق.