الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٣٩
الإخبار عن النهي عنه تناقض، فلا يتصف كل واحد من الخبرين بالخروج عن كونه صدقا حقا.
و إنما تخيل هؤلاء ما قالوه، من حيث اعتقدوا الوجوب صفة للواجب، و قدروها مخبرا عنها، ثم قدروا الخبر عن نفسها. و صعب موقع ذلك عندهم من حيث علموا أن النسخ رفع حكم ثابت، و ليس بآئل إلى تبيين ما لم يثبت. و من أحاط بما ذكرناه، هان عليه مدرك الانفصال عن السؤال. و إذا ثبت جواز النسخ عقلا، فليس تمنع منه دلالة سمعية.
و قد نبغت شرذمة من اليهود و تلقنوا من ابن الراوندي [١] سؤالا و استذلوا به الطغام و العوام من أتباعهم، و قالوا: النسخ جائز عند الإسلاميين، و لكنهم قالوا بتأبيد شريعتهم إلى تصرم عمر الدنيا، فإذا سئلوا الدليل على ذلك، رجعوا إلى إخبار نبيهم إياهم بتأبيد شريعته، و نحن نقول قد أخبرنا موسى بتأبيد شريعته، فلتتأبد، و هو المصدق إجماعا، و هذا الذي ذكروه باطل من وجهين.
أحدهما ما نقلوه لو صح لكان صدقا، و لو ثبت صدقا حقا، لما ظهرت المعجزات على يدي عيسى و محمد عليهما السلام، فلما ظهرت دلت على كذب اليهود. و مهما ظهرت معجزة في شرعنا على يد متنبي تنبأ، تبين إذ ذاك كذبنا في تأبيد شريعتنا، فهذا وجه ظاهر. فإن عادوا إلى القدح في معجزة عيسى و محمد عليهما السلام، لم يبدوا وجها في مرامهم، إلا انقلب عليهم مثله في معجزة موسى، عليه السلام.
و الوجه الثاني أن نقول لو صح ما قلتموه و لقنتموه، لكان أولى الأعصار بإظهار ذلك عصر النبي صلى اللّه عليه و سلّم، و معلوم أن الجاحدين منكم لنبوءة محمد صلى اللّه عليه و سلّم لم يألوا جهدا في رد النبوءة، و غيروا نعت محمد صلّى اللّه عليه و سلّم في التوراة، فلو كان فيها نص لا يقبل التأويل، في تأبيد شريعة موسى عليه السلام، لأظهر وعد من أقوى العصم. فلما لم يظهروه في زمن عيسى و عصر محمد عليهما السلام، إذ لو أظهروه لتوفرت دواعيهم على نقلهم، فاستبان بذلك، أن ذلك مما اخترعه نابغتهم، و يأبى اللّه إلا أن يتمّ نوره.
فهذا غرضنا من الكلام في النسخ، و قد حان أن نتكلم في معجزة الرسول، بعد ما ثبت جواز النسخ بقضيات العقول.
فصل
الأولى بنا تصدير هذا الفصل بما يتعلق بالقرآن و تحقيق كونه معجزا، و مقاصدنا نبينها في معرض أجوبة عن أسئلة.
[١] أحد مشاهير الزندقة كان أبوه يهوديا فأظهر الإسلام و يقال أنه حرّف التوراة كما عادى ابنه القرآن بالقرآن و ألحد فيه و صنف كتابا في الرد على القرآن سماه الدافع توفي عام ٢٩٨ ه. انظر تاريخ ابن كثير ج ١١.