الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٣٧
فاستبان بما ذكرناه، أن المصير إلى تقدير صفة يستحيل معها الاتصاف بحديث النفس عن المعلوم بالعلم، على حسب تعلق العلم به ادعاء استحالة تأباها العقول. و يعتضد ما ذكرناه بأن العالم بالشيء، لو لم يتكلف إخطار خلف بقلبه، لاستمر له حديث النفس صدقا مع العلم بالذي يتكلف تقديرا، و ليس بصفة مضادة للحديث الصادق.
فهذا القدر كاف هنا، و هو قاض باتصاف الباري تعالى بالكلام المتعلق بالمعلوم، على حسب تعلق العلم به. و من ابتغى مزيدا على ذلك، فليتأمل الشامل.
القول في إثبات نبوءة نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلّم
فصل
قد قدمنا ما يتعلق بإثبات أصل النبوءات على الجملة، و غرضنا الآن الاعتناء بإثبات نبوءة نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلّم.
و قد أنكر نبوءته طائفتان، تمسكت إحداهما بالمصير إلى منع النسخ، و تمسكت الأخرى بالمماراة في آياته و معجزاته. و ذهبت طائفة من اليهود يسمون العيسوية [١]، إلى إثبات نبوءة محمد صلى اللّه عليه و سلّم، و لكنهم خصصوا شرعه بالعرب دون من عداهم.
فأما من أنكر النسخ، و إليه ذهب معظم اليهود، فمقصدنا في إبطال ما انتحلوه لا يتبين إلا بذكر حقيقة النسخ على اختصار و اقتصار على ما فيه غنية.
فالمرضي عندنا، أن النسخ هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بخطاب أخر، على وجه لولاه لاستمر الحكم المنسوخ. و من ضرورة ثبوت النسخ على التحقيق، رفع حكم بعد ثبوته.
و المعتزلة يصيرون إلى أن النسخ لا يرفع حكما ثابتا، و إنما يبين انتهاء مدة شريعة، و إلى ذلك مال بعض أئمتنا، و قالوا: النسخ تخصيص الزمان؛ و عنوا به أن المكلفين إذا خوطبوا بشرع مطلق، فظاهر مخاطبتهم به تأبيده عليهم، فإذا نسخ استبان أنه لم يرد باللفظ إلا الأوقات الماضية.
و هذا عندنا نفي للنسخ و إنكار لأصله، ورد له إلى تبيين معنى لفظ لم يحط به أولا و تنزيل له
[١] فرقة تنسب إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني و قيل: إن اسمه عوفيد ألوهيم أي عابد اللّه. كان في زمن المنصور و زعم أنه نبي و أنه رسول المسيح المنتظر. انظر الملل و النحل.