الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٣٥
فصل
فإن قيل: إن سلم لكم ما ذكرتموه من نزول المعجزة منزلة التصديق بالقول، فلا يتم غرضكم دون أن تثبتوا استحالة الخلف و امتناع الكذب في حكم اللّه سبحانه، و لا سبيل إلى إثبات ذلك بالسمع، فإن مرجع الأدلة السمعية إلى قول اللّه تعالى؛ فما لم يثبت وجوب كونه حقا صدقا، لا يستمر في السمع أصلا. و لا يمكن أن يحتج في ذلك بالإجماع؛ فإن العقل لا يدل على تصحيح الإجماع، و إنما يتلقى صحته من كتاب اللّه تعالى.
و لا يمكن التمسك في تنزيه الرب تعالى عن الكذب بكونه نقصا من وجهين: أحدهما أن الكذب عندكم تحكم لا يقبح لعينه؛ و الثاني أنه لو سلم أنه نقص، فالمعتمد في نفي النقائص دلالة السمع. قلنا: أما الرسالة فإنها تثبت دون ذلك في الحال، و لا يتعلق إثباتها بأخبار تتصدى لكونها صدقا أو كذبا. كأن المرسل قال: جعلته رسولا، و أنشأت ذلك فيه آنفا، و لم يقل ذلك مخبرا عما مضى.
و سبيل ذلك كسبيل قول القائل: وكلتك في أمري و استنبتك لشأني، فهذا توكيل ناجز يستوي فيه الصادق و الكاذب. و محصول القول فيه أن صيغة التوكيل، و إن كانت أخبارا، فالغرض منها أمر بانتداب لشأن و انتصاب لشغل، و الأمر لا يدخله الصدق و الكذب. و آية ذلك أن الملك و إن نقم عليه كذب و خلف، فالفعل الذي فرضناه منه يصدق الرسول و يثبت الرسالة، قطعا على الغيب من غير ريب. فهذا موقف لا يتوقف ثبوته على نفي الكذب عن الباري سبحانه و تعالى، فاعلموه.
و لكن لا يثبت صدق النبي، بعد ثبوت الرسالة، فيما يؤديه و ينهيه، و يشرعه من الأحكام و يشرحه من الحلال و الحرام، إلا مع القطع بتقدس الباري تعالى عن الخلف و الكذب. فإن النبي يعتضد فيما يدعيه من صدق نفسه في تبليغه، بتصديق اللّه إياه. و ما لم يثبت وجوب كون تصديقه تعالى حقا صدقا، لا يثبت صدق النبي في أنبائه. و ليس تصديقه فيما يبلغه تفصيلا، بمثابة انتصابه رسولا؛ فإن حقيقة نصبه يرجع إلى إثبات أمر، و الإخبار عن صدقه فيما يخبر به يتعرض لكونه صدقا أو كذبا.
و قد عول الأستاذ أبو إسحاق رضي اللّه عنه، في كتابه المترجم بالجامع، على فصل و حث على التمسك به، فقال: الأحكام لا ترجع عندنا إلى صفات الأفعال، و إنما ترجع إلى تعلق الكلام القديم بها. و الشيء لا يجب لنفسه، و لكن يقضي فيه بالوجوب، للتوعد على تركه و وعد الثواب على فعله. و الوعد و الوعيد خبران، فلو لم يثبتا على حكم الصدق، لم يوثق بهما. و إذا كان كذلك، لم يتقرر إيجاب و حظر، و ندب إلى الطاعة و تحذير من المخالفة. و يؤول قصارى ذلك إلى أن لا يتصور للباري تعالى أمر مطاع، و قد دلت الأدلة على كونه إلها قادرا عالما، و لا تعقل الإلهية ممن لا