الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٢٨
و ينبغي أن لا يبعد أن يكون في طرف من أطراف الأرض صقع تنبت فيه الحيوانات و تنمو نمو النباتات، حتى إذا التأم النبات علقت الحيوانات و جاءت بالحكم و الآيات، إلى غير ذلك من الجهالات.
ثم إذا تحدى النبي بشيء قدرناه خارقا، فلو لم يكن خارقا لاشرأبّت النفوس لمعارضته، و انصرفت الدعاوى إلى فضحه و حطه عن دعواه. فإذا ذاعت الدعوى و شاعت آيتها و التحدي بها و تعجيز الخلائق عن الإتيان بمثلها، استبان بذلك أنه من الخوارق، و هذا القدر غرضنا في ذلك.
و الشريطة الثالثة للمعجزة أن تتعلق بتصديق دعوى من ظهرت على يديه؛ و هذه الشريطة تنقسم إلى أوجه لا بد من الإحاطة بها.
منها أن يتحدى النبي بالمعجزة، و تظهر على وفق دعواه، فلو ظهرت آية من شخص و هو ساكت صامت فلا تكون الآية معجزة. و إنما قلنا ذلك لأن المعجزة تدل من حيث تتنزل منزلة التصديق بالقول على ما سنذكره، و لا يتأتى ذلك دون التحدي. فإن من ادعى أنه رسول الملك، و قال بمرأى منه و مسمع: إن كنت رسولك فقم و اقعد ففعل الملك ذلك، كان ذلك بمثابة قوله:
صدقت. و لو لم يدع الرسول ذلك، بل ادعى الرسالة مطلقا، و قام الملك و قعد لما كان ذلك دالا على تصديقه فلا بد من التحدي إذا.
ثم يكفي في التحدي أن يقول: آية صدقي أن يحيي اللّه هذا الميت، و ليس من شرط المتحدي أن يقول: هذه آيتي و لا يأتي أحد بمثلها؛ فإن الغرض من التحدي ربط الدعوى بالمعجزة، و ذلك يحصل دون أن يقول: و لا يأتي أحد بمثلها؛ فهذا وجه من وجوه تعلق المعجزة بالدعوى.
و من وجوهه أن لا تتقدم المعجزة على الدعوى، فلو ظهرت آية أو لا و انقضت، فقال قائل:
أنا نبي و الذي مضى كانت معجزتي، فلا يكترث به، إذ لا تعلق لما انقضى بدعواه. فإن قيل: إذا نظرنا إلى صندوق و ألفيناه خلوا، و أقفلناه و تركناه بمرأى منا؛ فقال مدعي النبوءة: آية نبوءتي أنكم تصادفون في هذا الصندوق ثيابا، فإذا فتحنا الصندوق و ألفينا المتاع كما وصف كان ذلك آية. قلنا:
نحن و إن كنا نجوز تقدم اختراع ذلك المتاع على دعواه، و لكن قوله المبني على الغيب آية، و ذلك مطابق لدعواه، فاعلموا.
فإن قيل: هل يجوز استيخار المعجزة عن دعوى النبوءة؟ قلنا: إن تأخرت و طابقت الدعوى كانت آية. ذلك مثل أن يقول النبي: آية صدقي انخراق العادة بكذا و كذا وقت الصبح؛ فإذا وقع ذلك كما وعد، و كان خارقا للعادة كان آية.
فإن قيل: لو قال مدعي النبوءة ستظهر آيتي بعد موتي بوقت ضربه، فإذا وقع ما قاله بعد الوفاة على حسب دعواه، كان ذلك خارقا للعادة؛ فالوجه عندي في ذلك أن نقول: إن كلف الناس التزام الشرع ناجزا، و الآية موقوفة، فقد كلفهم شططا؛ و إن نص على الأحكام و على التزامها بوقت ظهور