الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٢١
و قد أكثروا في الجواب، و نحن نجتزئ مما أورد الأئمة بأن نقول: هلا أماتهم؟ أو هلا قطع عذابهم و سلب عقولهم حتى لا يعصوه؟ إذ ليست تلك الدار دار تكليف، فيجب فيها التعريض للتكليف. ثم إن لم يبعد المصير إلى أن الأصلح تكليف من علم الرب تعالى أنه يكفر، فهلا قيل:
الأصلح إنقاذ من علم الرب تعالى أنه يعود، و هذا أقرب؛ فإن الإنقاذ من العذاب روح ناجز، و التكليف في حق من يكفر تنجيز مشقة من غير ارتقاب ثواب. و ستكون لنا عودة إلى إلزام المعتزلة تأقيت الثواب و العقاب إن شاء اللّه عز و جل.
و مما نعتضد به أن نقول: إذا حكمتم، بأن كل ما يفعله الرب تعالى لا يستوجب على شيء من أعماله شكرا و حمدا، كما لا يستوجب بإيصال الثواب إلى مستحقه حمدا في الدار الآخرة. إذ العقل على قياسهم يقضي بأن من يؤدي واجبا لا يستحق عليه شكرا، كالذي يردّ وديعة أو دينا لازما.
فإن قالوا: الثواب عوض، و ليس على العوض عوض، و ليس كذلك الابتداء بالنعمة. قلنا:
إذا استويا في الوجوب و الحتم، لم يؤثر افتراقهما فيما ذكرتموه، ثم شكر العبد عوض من النعم، و هو مقابل للثواب، فبطل التعويل على ما ذكروه من كل وجه.
و مما كثر فيه خبط البغداديين، أن قيل لهم: قد أوجبتم على اللّه تعالى فعل الأصلح في الدنيا، و مقدورات الباري تعالى لا تتناهى في اللذات، فبأيّ قدر تضبطونه في الأصلح، و لا حصر للذات و لا نهاية للمقدورات، و كل مبلغ من الإحسان فعليه مزيد من الإمكان؟
فإن قالوا: يتقدر الأصلح في حق العبد بما علم الرب تعالى أن المزيد عليه يطغيه، قلنا:
اللذات منافع ناجزة، و لا معوّل على العلم بأن العبد سيطغى، فإن من علم الرب تعالى أنه إذا أقدره خيره، فإنه يؤثر الفسوق و العصيان، فتكليفه حتم على مذاهبكم، لكونه تعريضا لمنفعته، مع العلم بأن المكلف يعطب و يشفي على الردى، فهلا طردتم ذلك في اللذات من غير تمسك بما يعلم في المآل! و لا جواب عن شيء من ذلك.
و فيما صار إليه هؤلاء خرق إجماع الأمة و مخالفة الأئمة؛ فإنهم إذا أوجبوا فعل الاستصلاح فلا يبقى للإفضال مجال، و يخرج الرب تعالى عن كونه متفضلا تعالى اللّه عن قول المبطلين. و قد علمنا على الضرورة أنباء فحوى خطاب الشرع عن كون الرب متفضلا، على من يشاء، كافا نعمه عمن يشاء. و ليس للّه عند المعتزلة خيرة في أفعاله و إفضاله، و هذا قدح منهم في الإلهية، و مراغمة الكتاب العزيز. قال اللّه تعالى، في استيثاره و اختياره و قهر عباده و اقتداره: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [سورة القصص: ٦٨]. و نبذة مما ذكرناه تنقض دعائم المعتزلة و تفض شكائمهم.
فأما البصريون، فإن ناجزناهم على الأصل الأول، و منعناهم تحسين العقل و تقبيحه، و أوضحنا أن لا واجب على اللّه تعالى، ففي ذلك صدهم عن مرامهم، و إن نحن أضربنا عن ذلك،