الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١١٨
في إيلامه اعتبارا لغيره، فليس له أن يؤلمه و يلتزم العوض، و يحصل الاعتبار المعلوم عنده بإخبار الصادق المستيقن صدقه.
فهذه وجوه الرد على المعتزلة على قدر غرضنا من هذا المعتقد، و كل ما تكلمنا به على هذه الطوائف مبني على أتباعهم في فاسد معتقدهم. و لو لزمنا أصلنا في نفي تقبيح العقل و تحسينه، ففي التمسك به نقض جميع ما أصّلوه.
و قد نجز هذا الأصل، و هو الكلام في الآلام و حكمها من الحسن و القبح، و اللّه المستعان.
و ها نحن الآن خائضون في الصلاح و الأصلح، و نمزج به اللطف، و إن ميزنا بينهما عند رسمنا ترجمة الأصول.
باب
اختلفت مذاهب البغداديين و البصريين من المعتزلة في عقود هذا الباب، و اضطربت آراؤهم.
فالذي استقرت عليه مذاهب قادة البغداديّين، أنه يجب على اللّه، تعالى عن قولهم، فعل الأصلح لعباده في دينهم و دنياهم، و لا يجوز في حكمته تبقية وجه ممكن في الصلاح العاجل و الآجل، بل عليه فعل أقصى ما يقدر عليه في استصلاح عباده.
و قالوا: على موجب مذاهبهم ابتداء الخلق حتم على اللّه عز و جل و واجب وجوب الحكمة، و إذا خلق الذين علم أنه يكلفهم، فيجب إكمال عقولهم، و أقدارهم و إزاحة عللهم. و كل ما ينال العبد في الحال و المآل، فهو عند هؤلاء الأصلح لهم، حتى ارتكبوا على طرد أصلهم جحد الضرورة. و قالوا: خلود أهل النار في الأغلال و الأنكال أصلح لهم من الخروج من النار، و كذلك الأصلح للفسقة في دار الدنيا أن يلعنهم اللّه، و يحبط أعمالهم، و يحبط ثواب قرباتهم إذا اخترموا قبل التوبة.
و أما البصريون، فقد أنكروا معظم ذلك، مع موافقتهم إخوانهم في الضلال على إثبات واجبات على اللّه تعالى و تقدس عن قولهم.
فمما اتفق الفئتان على وجوبه الثواب على مشاق التكليف و الأعواض على الآلام غير المستحقة، و أجمعوا على أن الرب تعالى إذا خلق عبدا و أكمل عقله فلا يتركه هملا، بل يجب عليه أن يفكره و يمكنه من نيل المراشد، فإذا كلف عبدا وجب في حكمته أن يلطف به، و يفعل أقصى ممكن في معلومه، مما يؤمن و يطيع المكلف عنده، على ما سنذكره في اللطف فصلا مفردا إن شاء اللّه عز و جل.
و نقل أصحاب المقالات عن هؤلاء مطلقا، أنه يجب على اللّه تعالى فعل الأصلح في الدين،