الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١١٧
أحدهما، أن الرب تعالى قادر على التفضل بمثل ما يصدر عوضا، فلا غرض في تقديم ألم و تعويض عليه مع القدرة على التفضل بمثله. و سبيل ذلك كسبيل من يؤلم ضعيفا ليعطيه رغيفا، مع اقتداره على التفضل بمثله ابتداء. و هذا آكد في حكم اللّه تعالى؛ فإن القادر على الكمال الذي لا يتعاظم عنده عطاء و لا يكثر في حكمه حباء، و العبد عرضة للضرر و ضيق العطن، و التضرر بما يبذله و إن قل.
فإن قال قائل منهم: لا يجوز التفضل بمثل العوض، فقد باهت. فإن الأعواض نعيم منقطع، أو مقيم دائم. و على أيّ وجه فرض، فهو مقدور للّه تعالى من غير تقدير تقديم إيلام. فإن قالوا: لو جاز التفضل بمثل العوض، لجاز التفضل بمثل الثواب. قلنا: هذا ما نعتقده، و نرد على من حاد عنه. و لهم في ذلك خبط يأتي الشرح عليه في باب الثواب و العقاب إن شاء اللّه عز و جل.
و الوجه الثاني في إبطال تحسين الألم بالتعويض، أن نقول: إذا جنى العبد على غيره و آلمه بقطع أو جرح أو غيرهما، و التزم على الألم عوضا وافيا من غير استئمار و استيذان من المؤلم، فينبغي أن يحسن ذلك منا حسب حسنه من اللّه تعالى، فإن المعتزلة يقيسون أحكام اللّه تعالى في أفعاله على أحكام العباد.
فإن قالوا: إنما يحسن الألم من اللّه تعالى لعلمه بالتمكن من التعويض عليه، و العبد لا يحيط علما بعواقب أمر نفسه، فليس له أن ينجز ألما لأمر لا يعلم الوصول إليه. و هذا باطل؛ فإن للعبد أن يؤلم نفسه في ترقب منفعة موفية على ما يناله من النصب و التعب، و إن كان ذلك مظنونا و لم يكن معلوما يقينا. فإذا حسن منه ذلك في نفسه مع انطواء العاقبة عنه، حسن ذلك في غيره.
فقد بطل ما حاولوا به الفصل بين حكم اللّه تعالى و حكم العبد. و من أحاط بما قدمناه علما هان عليه التسرع إلى دفع كل سؤال يوردونه مما لم نذكره.
و أما الوجه الثالث في تحسين الألم، و هو أن يدفع به ضررا أعظم منه، فباطل لا محصول له في حكم اللّه تعالى. فإنه ما من ضرر يقدر اندفاعه بالألم، إلا و الرب تعالى مقتدر على دفعه دون ذلك الألم، فليس في الإيلام إذا غرض صحيح، و سبيل ذلك كسبيل من يتمكن من درء ضرر سبع ضار عن صبي، بأن يكلفه سلوك سبيل و طيّ لا و عورة فيه، فلو كان الأمر كذلك، فلا يحسن و الحالة هذه تكليف سلوك سبيل مشوك ضرس حزن.
و من قال منهم: إن الألم لا يحسن بمحض التعويض حتى ينضم إليه قصد اعتبار الغير، فقد أحال فيما قال. فإن العقل إذا لم يحسّن إيلام شخص لوجه، لم يحسّنه مع اعتبار غيره، إذ ليس من نصفه الحكم إتعاب شخص لاعتبار غيره. فإن قالوا: إنما يلزم ذلك لو جوزنا الإيلام بمحض الاعتبار، قلنا: هذا لا ينجيكم عما أريد بكم، فإن العوض المحض إذا لم يخرج الألم عن كونه ظلما، فوجوده كعدمه و يبقى الاعتبار في حكم المجرد، و الذي يوضح ذلك، أن من أعلمه نبي أن