الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١١١
التعديل و التجويز. و ستجدون المسائل بعد ذلك مرتبة على هذه القاعدة، و في الإحاطة بها إبطال ما سواها؛ فهذه إحدى المقدمتين الموعودتين.
فصل
في المقدمة الثانية، و هي تشتمل على الرد على من قال إن العقل دل على وجوب واجب، و هذا ينقسم قسمين؛ فيتعلق الكلام في أحدهما بما يقدر واجبا على العبد، و يتعلق الكلام في الثاني بالرد على من اعتقد وجوب شيء على الباري تعالى عن أقوال المبطلين.
فأما القسم الأول، فإنه يضاهي المسألة السابقة في التقبيح و التحسين. و كل ما ذكرناه من شبههم و ادعاءاتهم الضرورة، و قدحنا فيها و احتجاجنا به، فهو يعود في هذه المسألة.
و ربما يصوغون لإثبات وجوب شكر المنعم عقلا صيغة أخرى، و يقولون: العاقل إذا علم أن له ربا، و جوز في ابتداء نظره أن يريد منه الرب المنعم شكرا؛ و لو شكره لأثابه و أكرم مثواه، و لو كفر لعاقبه و أراده؛ فإذا خطر له الجائزان، فالعقل يرشده إلى إيثار ما يؤديه إلى الأمن من العقاب و ارتقاب الثواب. و ضربوا لذلك مثلا، فقالوا: من تصدى له في سفرته مسلكان يؤدي كل واحد منهما إلى مقصده، و أحدهما خلي عن المخاوف عريّ من المتالف، و الثاني يشتمل على المعاطب و اللصوص و ضواري السباع، و لا غرض له في السبيل المخوف، فالعقل يقضي بسلوك السبيل المأمون.
و هذا الذي ذكروه، اقتصار منهم على شطر نظر لو أنهوه نهايته لبلّغهم الحق. و ذلك أنه إن خطر له ما قالوه، فيعارضه خاطر آخر يناقضه؛ و ذلك أن يخطر للعاقل أنه عبد مملوك مخترع مربوب، و أنه ليس للمملوك إلا ما أذن له فيه مالكه، و لو أتعب نفسه و أنصبها لصارت مكدودة مجهودة من غير إذن ربها. و قد يعتضد هذا الخاطر عنده بأن الرب المنعم غنيّ عن شكر الشاكرين، متعال عن الاحتياج؛ و أنه عز و جل كما يبتدئ بالنعم قبل استحقاقها، لا يبتغي بدلا عليها فإذا عارض هذا الخاطر ما ذكروه، قضى العقل بتوقف من خطر له الخاطران.
و مما يؤكد ما قلناه، أن الملك المعظم إذا منح عبدا من عبيده بكسرة من رغيف، ثم أراد ذلك العبد أن يتدرج في المشارق و المغارب و يثني على الملك بحبائه و حسن عطائه و ينص على إنعامه، فلا يعد ذلك مستحسنا؛ فإن ما صدر من الملك بالإضافة إلى قدره، نزر مستحقر تافه مستصغر، و جملة النعم بالإضافة إلى قدرة اللّه تعالى، أقل و أذل من كسرة رغيف إلى ملك ملك.
و إن أردنا أن ننقض عليهم ما ذكروه من وجه آخر، فرضنا الكلام فيمن لم يحط بالمنعم أولا؛ فإذا طردوا ما قالوه من تقابل الخاطرين، قلنا لهم: هذا قولكم فيمن خطرت له الفكر و عنت له العبر، فما قولكم في الغافل الذاهل الذي لم يخطر بباله شيء؟ فهذا قد فقد الطريق إلى العلم بالوجوب، و الشكر حتم عليه. و هذا عظيم موقعه على الخصوم.
فإن قالوا: لا بد أن يخطر اللّه تعالى ببال العاقل في أول كمال عقله ما ذكرناه، فهذا تلاعب