الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٠٨
فنقول لهم: لم ادعيتم العلم الضروري بالحسن و القبح مع علمكم بأن مخالفيكم طبقوا وجه الأرض، و أقل شرذمة منهم يزيدون على عدد أقل التواتر، و لا يسوغ اختصاص طائفة من العقلاء بضرب من العلوم الضرورية مع استواء الجميع في مداركها؟
فإن قالوا: قد وافقتمونا على التحسين و التقبيح في مواقع الضروريات، و إنما خالفتمونا في الطريق المؤدي إلى العلم، فزعمتم أن الدال على الحسن و القبح السمع دون العقل. و لا يبعد اختلاف العقلاء في العلم الضروري على هذا الوجه، فإن الأخبار المتواترة يعقبها العلم الضروري.
و قد ذهب الكعبي و أشياعه إلى أن طريق العلم بما تواترت الأخبار به و عنه الاستدلال، و ذلك لا يقدح في وقوع العلم الضروري بما تواتر الخبر عنه.
و هذا الذي ذكروه لا محصول له. و قد مرّ في تفصيلنا المذهب قبل ما يسقطه. فإننا قلنا ليس الحسن و القبح صفتين للقبيح و الحسن وجهتين يقعان عليهما، و لا معنى للحسن و القبح إلا نفس ورود الأمر و النهي؛ فالذي أثبتته المعتزلة، من كون الحسن و القبيح على صفة و حكم، قد أنكرناه عقلا و سمعا. و مجموع ذلك يوضح أنا لم نجتمع على المطلوب مع الاختلاف في السبيل المفضي إليه، و هذا بيّن لمن تدبره.
و مما يوضح الحق درؤهم عن دعوى الضرورة، أن الذي ادعوه قبيحا على البديهة، قد أطبق مخالفوهم على تجويزه واقعا من أفعال اللّه تعالى، مع القطع بكونه حسنا. فإنهم قالوا: إن للرب تعالى أن يؤلم عبدا من عبيده ابتداء من غير استحقاق و لا تعويض على الألم، و من غير جلب نفع و دفع ضر موفيين على الألم.
ثم كما قطعوا بتجويز ذلك في أحكام اللّه تعالى، فكذلك قطعوا بأنه لو وقع لكان حسنا، و هذا ما لا سبيل إلى دفعه، و فيه فرض تحسين العقل في الصورة التي ادعى المعتزلة العلم الضروري بالتقبيح فيها. و مهما استبان تحكمهم بدعوى الضرورة لم يسلموا ممن يعارض دعواهم بنقيضها، و يدّعي العلم الضروري بحسن ما قبحوه و قبح ما حسنوه.
فإن قالوا: الدليل على أن القبح و الحسن يدركان عقلا، أن منكري الشرائع و جاحدي النبوات يعلمون قبح الظلم و الكفران و حسن الشكر، و لو كان الأمر يتوقف في ذلك على السمع لما أحاط من أنكره بالحسن و القبح؛ و هذا الذي ذكروه لا محصول له. و أول ما فيه، أنه احتجاج في موضع الضرورة على دعواهم، و لا يستمر النظر في موضع البداية.
ثم نقول: إنما يستمر لكم ما ذكرتموه، لو سلم لكم كون البراهمة [١] المنكرين الشرع عالمين بالحسن و القبيح، و هذا مما ينازعون فيه، و لا بعد في تصميم طوائف على اعتقادهم مع حسبانهم إياه
[١] ينسبون إلى براهم الذي مهد لهم نفي النبوات أصلا و قرر استحالة ذلك في العقول بوجوه ذكره الشهرستاني في كتابه الملل و النحل. و قد تفرقوا أصنافا فمنهم أصحاب البددة، و منهم أصحاب الفكرة، و منهم أصحاب التناسخ.