الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد - الجویني، عبد الملك - الصفحة ١٠٤
قلنا: إنما استوجبوا التوبيخ، لأنهم كانوا يهزءون بالدين و يبغون رد دعوى الأنبياء، و كان قد قرع مسامعهم من شرائع الرسل تفويض الأمر إلى اللّه تعالى، فلما طولبوا بالإسلام و التزام الأحكام تعلقوا بما احتجوا به على النبيين، و قالوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا [سورة الأنعام: ١٤٨] الآية، و لم يكن من غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عقدهم. و الدليل على ذلك في سياق قوله تعالى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ [سورة الأنعام: ١٤٨]. و كيف لا يكون الأمر كذلك، و الإيمان بصفات اللّه تعالى فرع عن الإيمان باللَّه تعالى، و الكفر بالآية كفر باللَّه تعالى!.
و مما يستذلون به العوام الاستدلال بقوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [سورة الذاريات: ٥٦]. و هذه الآية عامة في صيغتها، متعرضة لقبول التخصيص عند القائلين بالعموم، مجملة عند منكري العموم. و لا يسوغ الاستدلال في القطعيات بما يتعرض للاحتمال، أو يتصدى للإجمال. و من مذهب المعتزلة، أن العموم إذا دخله التخصيص صار مجملا في بقية المسميات، و لا خلاف أن الصبيان و المجانين مستثنون من موجب الآية تخصيصا.
ثم قد قيل: إن المراد من الآية تبيين غنى اللّه تعالى عن خلقه، و افتقارهم إليه، فهذا هو المقصود، و آية ذلك قوله تعالى: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [سورة الذاريات: ٥٧]؛ فكأن معنى الآية: و ما خلقت الجن و الإنس لينفعوني، و إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي.
ثم أصل العبادة التذلل، و الطريق المعبّدة هي المذللة بالدوس بالخف و الحافر و أقدام المستطرقين، و المراد بالآية: و ما خلقتهم إلا ليذلوا لي. ثم من خضع فقد أبدى تذلله، و من عاند و جحد فشواهد الفطرة واضحة على تذلله و إن تخرص و افترى. و الحمل على ذلك أفضل من الحمل على تناقض؛ فإن الرب تعالى علم أن معظم الخليقة يكفرون، فيكون التقدير: و ما خلقت من علمت أنه يكفر إلا ليوفق، و هذا لا وجه له.
و مما يستدلون به قوله تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [سورة النساء: ٧٩]. قلنا: الآية المتقدمة على هذه الآية دلالة قاطعة على إبطال مذهبكم، فإنه عز من قائل قال: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [سورة النساء: ٧٨]. ثم لفظة الإصابة شاهدة على سلب الاختيار، فإنها لا تستعمل إلا فيما ينال المرء من غير ارتياده؛ و لا يقال أصاب فلان المشي و التصرف، بل يقال أصابه مرض أو سرور أو جنون.
ثم المراد من الآية أن كفار قريش كانوا إذا قحطوا و زلزلوا، قالوا: ذلك من شؤم محمد و دعوته، فإن وسع عليهم قالوا: ذلك منا و من آلهتنا، فرد اللّه تعالى عليهم و خاطب رسوله عليه السلام، و هم المعنيون، فقال: «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ»، معناه من نعمة، فمن اللّه؛ و ما أصابك من سيئة، أي من ضيق، فهو جزاء عملك. على أن المعتزلة لا يقولون بظاهر الآية، إذ الخير و الشر